لحسن كجديحي

قرأت لك… سلوك الأطفال – 1 –

المسائية العربية

لحسن كجديحي

لحسن كجديحي

لحسن كجديحي

…من الشيق أن الطفل الوليد يولد بمجموعة من الاستجابات التي تتمثل في محاولته إنقاذ نفسه من المواقف التي قد تهدده بالاختناق. فمثلا إذا ما وضعت الطفل العادي في هذه السن على بطنه وحاولت أن تضغط قلـيـلا على رأسه ووجهه نحو وسادة فستصدر منه استجابة تلـقـائـيـة تـتـمـثـل فـي محاولة رفع رأسه إلى أعلى. ومن حيث الإدراك يستطيع الطفل منذ الأيام الأولى أن يميز بين الأشكال الحقيقية والصور الفوتوغرافية لهذه الأشكال. فهو قد يمد يده عندما يرى لعبة دب مثلا، ولكن لا يصدر نفـس الاسـتـجـابـة عـنـدمـا نـعـرض لـه الـدب مـصـور فوتوغرافيا بنفس الحجم مما يدل على أن الطفل يولد باستعداد يمكنه من معرفة الأشياء والأحجام الثلاثية الأبعاد وبإمكانه أيضا من الناحية الحسية ، أن يتابع ببصره ضـوءا مـتـحـركـا أو  جسما منذ الأيام الأولى للولادة. كما تبدأ مراحل من التآذر الحسي الحركي تؤدي إلى المشي حوالي الشهر الخامس عشر.

و تظهر ميول الانتماء مبكرة في حياة الطفل أي حوالي الشهر الثالث أو قبل ذلك بقليل. فهو يبدأ في تمييز الأم والتعلق بها، ويظهر علـيـه الـهـدوء والسكينة عندما يشعر بقرب جسمها منه. لهذا فإن تنمية الإحساس بالقرب والتعلق بين  الوليد ووالديه أمر على درجة كبيرة من الحيوية في هذه السن. وتبين الدراسات أن الانفصال المفاجئ للطفل في هذه السن عن المنـبـهـات التي تشجع فيه إحساس القرب والانتماء الجسمي تكون له نتائج خطيرة: منها التخلف، وربما الموت. وقد حاول أحد الأطباء النفـسـيـين الإنجليز هو جون باولـبـي J.Bowlby في سنة 1960 أن يحدد الآثار النفسية للانفصال المبكر عن الوالدين. فدرس عددا كبيرا من الأطفال الذين تربوا في مؤسسات رعاية الأطفال فتبين له أن هناك خصائص نفسيه وانفعالية تميزهم عن الأطفال العاديين ومنـهـا:الانسحاب، واللااكتراث والاكتئاب، ويعتقد باولبي أن هذه الخصائص قريبة من حالات الحزن العميق الـذي يـصـيـب الـبـالـغـين  إثـر وفـاة حـبـيـب، أو صديق…

لكن طائفة أخرى من البـاحـثـين تـخـتـلـف مـع – بـاولـبـي – فـتـرى أن حـيـاة  المؤسسات في حد ذاتها (ليست هي مصدر المشاكل ولكن الجو الاجتماعي الذي تتميز به هذه المؤسسات هو- فيما يبدو – صاحب المسؤولية الرئيسيـة. فإذا وضع الأطفال مع أمهـات بـديـلات يـعـطـين الـرعـايـة والحـب، والـدفء والاهتمام فإن النمو العقلي والعاطفي والاجتماعي يأخذ مجراه الطبيعي. وتؤكد هذه النتيجة ،بعض الدراسات في المجتمعات  الاشـتـراكـيـة وغـيـرهـا وهي تبين أن أطفال مؤسسات الرعاية يمكن أن يتطوروا بشكل عادي إذا ما كانت الرعاية المقدمة جيدة ومناسـبـة. فالانفصال عـن الأم في حد ذاته لا يعتبر هو العامل الحاسم في …نمو المشكلات الانفعاليـة لدى الأطفال. لكن الافتقار إلى أم أو والدين قادرين على الرعاية الملائمة هو المسؤول عن ذلك. أما من حيث التفكير في هذه المرحلة، فان النظرية التي كونها بياجيـه عن تطور استخدام الرموز تحاول أن تقدم بعض الإجابات. فمن رأي بياجيه أن معظم نشاطات الوليد في السنة الأولى من النـوع الانعكاسي. لهذا فمن العسير الحديث عن تفكير بالمعنى المنطقي اللاإرادي الذي نلاحظه بين البالغين. ويرى بياجـيـه أن الـطـفـل فـي الـسـنـين المـبـكـرة يقتصر في سلوكه على الاستجابات الحسية المباشرة للـخـبـرات الـعـمـلـيـة. ويكون الطفل في السنة الأولى عاجزا عن الفصل بينه وبين العالم. فالعالم كل العالم هو الذات. ولهذا يصطبغ كل إدراكه بحاجاته الشخصية واهتماماته الذاتية. لهذا فهو لا يعرف في هذا أن الشـيء الـواحـد يمـكـن أن يـكـون لـه وجود مستقل عن ذاته. وعلى هذا فالكوب غير موجود طالما أنه ليس فـي مجاله البصري. وينتقل تفكير الطفل بعد الشهور الثمانية الأولى من العمر وبمطلع العام الثاني إلى مرحلة أكثر وعيا ونشاطا. فهو يبدأ يـعـي أن الأشـيـاء يمـكـن أن توجد منفصلة عن ذاته ومستقلة عنها. ولهذا فإن ملاحظة سلوك الطـفـل في مطلع العام الثاني تعتبر مثيرة للدهشة بالمقارنة بالسنة الأولى. فالطفل ذو الشهور الثمانية يذهب ليبحث عن شيء في مكانه المعتاد، بينما يرى أمه تنقل هذا الشيء إلى مكان آخر حتى ولو كان المكان الجديد يقع في مجال إدراكه البصري. أما طفل الثانية فهو أذكى من أن يفعل ذلك وثمة تطور آخر في هذه المرحلة يتعلق بالسلوك الاجتمـاعـي والـعـلاقـة بالآخرين. ويرتبط الكشف عن مظاهر التطور في هذه الخاصية بدراسات – إيركسون  Erikson- الذي يرى أن التطور النفسي الاجتماعي يبدأ مبكرا في حياة الطفل، ويأخذ في البداية شكل الصراع بين الـثـقـة وعـدم الـثـقـة فـي العالم. فإشباع حاجات الطفل الـرئـيـسـيـة فـي هـذه المـرحـلـة بمـا فـي ذلـك حاجته للأمن والراحة والغذاء يؤدي إلى انبثاق مشاعر الثقة بالعالم والبيئة. على أن من الممكن أن تتكون مشاعر مضادة قـائـمـة عـلـى الـشـك والخـوف وعدم اليقين في العالم إن كانت احتياجات الطفل في هذه المرحـلـة دائـمـا تواجه بالإحباط والتهديد والكف. وسرعان ما ينتقل الطفل من مرحلة المهد إلى الـطـفـولـة بمـطـلـع الـعـام الرابع من العمر. فبدخول الرابعة لم تعد العلاقة بالبيئة تنحصر في التغذية.  والإخراج أو التقبل السلبي للطعام والراحة والدفء. إن الـعـالـم الخـارجـي يتسع نطاقه تدريجيا، ومعه تتسع دائرة الاتصالات الاجـتـمـاعـيـة لـلـطـفـل. وتبدأ مظاهر السلوك التلقـائـي فـي الانـبـثـاق ومـعـهـا تـتـشـكـل الـرغـبـة فـي الاستقلال وتأكيد الذات مع جنوح- بين الحين و الآخر- إلى جوانب طفلية من  السلوك كما تتمثل في الرغبة في تسيير دفة الأشياء على هواه. وفي هذه المرحلة يتعلم الطفل الذكر- من خلال التوحد بالأب- أن يسلك ويتصرف كما يتصرف أبوه. ولهذا فهو يحاكي الأب حتى في أزماته الحركية والحسية. وتتوحد البنت بالأم وتقتدي بها في تصرفاتها.وبهذا يبدأ التمايز في الأدوار بين الجنسين في التبلور في هذه السن. على أن من أهم جوانب التطور في هذه المرحـلـة هـو ذلـك الـذي يـطـرأ على أ…نماط اللعب فالخاصية الرئيسة للعب الأطفال في هذه المرحلة هـي محاكاة الكبار. ولهذا يزداد الحماس والتذوق للألعاب الإيهامية التي يمثل فيها الطفل، دور أب أو بالغ بينما تمثل البنت دور أم أو عروس. ونظرا لما يلعبه هذا الجانب من دور هام في شخصية الطفل في هذه المرحلة يصف لنا العلماء مختلف المراحل التي يتطور من خلالها هذا السلـوك فـي حـيـاة الطفل بالشكل الآتي:

1- غالبية الأنشطة التي يقبلها الطفل في هذه السن تتحول إلى لعبـة: تناوله للطعام، ارتداؤه لملابسه، ذهابه لسريره، حتى الذهاب للحمام وقضاء الحاجات الحيوية كلها جميعا تقريبا تتحول إلى لعبة تسبب أحيانا انزعاج الآباء ولكنها تبعث السرور في الطفل.

2- تنبثق وبالتدريج جوانب من الجدية في سلوك الطفل فينعكس هـذا على أ…نماط اللعب فيتحول إلى لعب هادف وذي غرض.

3- في المرحلة الثالثة يعاد تنظيم العالم الإيهامي للـطـفـل فـيـتـمـيـز عـن العالم الواقعي ، فيطور الطفل من أ…نماط لعبه خـالـقـا جـوانـب مـن الـلـعـب يستطيع ممارستها وضبطها وتوجيهها وفق إرادته وخيالاته الإيهامية.

4- يظهر بعد ذلك ما يسمى باللعب التخيلي، فضلا عن اللعب الجماعي والتعاوني.

5- وتتبلور بعد هذا مرحلة أخرى من اللعب يطلق عليها الباحثون اللعب، التمثيلي الذي يتولى فيه الطفل القيـام بـأدوار الـبـالـغـين، أو بـأدوار أخـرى لأشخاص في عالمه الواقعي كدور – الطبيب والمريض – أو «المدرس والتلميذ» أو «الأب والطفل» أو «الشرطي واللص»…

ويطرأ تطورا آخر في هذه المرحلة ويتعلق بنمو الذاتية. فكل طفل عادي في هذه السن يبدأ في الوعي بتفرده واختلافه عن غـيـره، وبـأنـه صـاحـب خصائص لا يشاركه أحد فيها. ويزداد الأطفال ميلا إلى التعبيـر الإبـداعـي عـن الـذات فـتـبـدأ رغـبـات الأطفال في الرسم والتلوين. وتعكس رسوم الأطفال في هذه السن رؤياهم الفجة للواقع. على أنها- بالرغم من سذاجتها- تعـكـس انـعـكـاسـا صـريـحـا ومباشرا-كل المشاعر والإدراكات الانفعالية التي تعتريهم وهو ما قد يفتقر له الإنسان البالغ فيما بعد. ومن حيث التفكير فإنه يتحول في هذه السن رويدا إلى المنـطـقـيـة فـي إدراك حركة الأشياء والعلاقات فيما بينها. وفي خلال هذه الفترة يتحكم الطفل جيدا-نسبيا-في استخدام اللغة ولو أن استخدامه للغة يكون منصبا على الذات والخبرات الشخصية. فإذا سألت الطفل في هذه المرحلة مثلا فيم تستخدم السيارة؟ فإن إجابته الموقعة تكون لكي يتنقل بها، وإذا سألته عن الليل ومتى يأتي؟ فان ذهابه للسرير للنوم يكون في الغالب الجواب. وبانتقال الطفل إلى السادسة وحتى الثانية عـشـرة يـدخـل فـي مـرحـلـة الطفولة المتوسطة، ويطلق على هذه المرحلة أحيانا مرحلة الطفولة الهادئة كعلامة على اختفاء مظاهر الضجيج والصخب والعناد الشائعة في المرحلة السابقة. فببداية السنة السادسة يدخل الطفل المدرسـة، ويـتـغـيـر أسـلـوب حياته فيميل للاستقرار الانفعالي والضبط. ويسير النمو في هذه المرحلة مع التطور في جوانب متعددة من النشاطات الحسية، والحركية والمعرفية، والاجتماعية والأخلاقية، ويعتقد كوهلبرج Kohlberg-وهو أحد العلماء البارزين في دراسة الارتقاء في الجانب الأخلاقي- أن جوانب التهذيب والوداعة في السلوك التي تميز هذا السن تأتي مصاحبة- أو ناتجة- لانبثاق مبدأ أخلاقي جديد في حياة الطفل مؤداه أن لكل شيء مقابلا: بالتصرف الأحمق يؤدي للعقاب، والتـصـرف المـهـذب يـتـلـوه شـيء طـيـب. ومـنـاسـب.. وتلعب زمرة الأنداد في هذا السن دورا هامـا مـن حـيـث تطبيع الطفل على كثير من العادات الاجتماعية. وتثور بين الطفل والأبوين أحيانا بعض الصراعات والخلافات بسبب الولاء للأقران وما يفرضه هذا الولاء أحيانا من متطلبات تتعارض مع متطلبات الوالدين. وتتصاعد أهمية الولاء لجماعات الأصدقاء كلما تقدم الطفل في العمر حتى يصل إلى حده الأقصى في مرحلة المراهقة.