ذ لحسن كجديحي

قرأت لك … ماهية الذكاء

المسائية العربية 

ذ لحسن كجديحي

ذ لحسن كجديحي

عندما نقول عن طفل أو راشد إنه يتمتع بذكاء مرتفع فإنـنـا قـد نـعـنـي أشياء متعـددة مـثـل سـرعـة الـبـديـهـة ،الـفـهـم، الاسـتـفـادة مـن الخـبـرات ،التحصيل والتفوق.. والحقيقة أن هذه المعاني المتعددة التي تطلقهـا عـلـى مفهوم الذكاء هي من الأسباب التي جعلت من هذا المفهوم موضعا للخلاف والجدل بين علماء النفس. على أننا-وبـالـرغـم مـن الخـلافـات الـدائـرة بـين العلماء في تعريف الذكاء، أو بسببها- نجد أن التعريف الجيد للذكاء يجـب أن يتضمن أكثر من خاصية من الخصائص العقلية التي تسـاعـد الإنـسـان على التكيف لواقعه. وعلى هذا يمكن معالجة الذكاء بصفته مفهوما يجمع بين طائفة من الخصائص العقلية والقدرات والمهارات التي تساعد الكائن على الاستفادة من الخبرة والسيطرة على المشكـلات الـتـي تـواجـهـه خـلال تكيفاته اليومية لواقعه. وعلى هذا يمـكـن أن نـعـتـبـر الـشـخـص الـذكـي- فـي مقابل من هم أقل ذكاء مـنـه- أكـثـر وضـوحـا فـي أفـكـاره، وأكـثـر قـدرة عـلـى الاستفادة من الخبرات التي يمر بها هو أو من حوله، يفهم الأشياء ويستوعبها أسرع من غيره. ويدرك العلاقات بين الأشياء ويلم بالأحداث الدائرة أكثر ممن هم أقل ذكاء. ولهذا فإن الفرصة تتسع أمام الإنسان الذكي للـنـجـاح”والفوز” والسيطرة على المشكلات التي تطرحها عليه بيئته. وعندما نقول في اللغة الدارجة إن فلانا أشطـر مـن فـلان، وإن حـسـن أذكى بينما علي أغبى، فإن هذا القول يشير إلى حقيقة علمية ملموسة في بحوث الذكاء مؤداها أن هذا المفهوم يجب أن يخضع تصوره لمنطق الفروق الفردية. و إذا شئنا استخدام عبارة أكثر تدقيقا- من الناحية العلمية والعملية معا – فإنه يمكن النظر إلى الذكاء بصفته بعدا أو امتدادا يختل كل منا درجة ما عليه. فيحسب ما نتصف بالذكاء يكون موقعنا على هذا البعد. ولهذا فعندما يريد عالم النفس الحديث أن يحدد ذكاء شخص معـين- لأغراض أكاديمية أو علاجية – فإن ما يفعله يتلخص في الحقيقة في ملاحظة أداء هذا الفرد على مجموعة من الأعمال أو الاختبارات أو المقاييس، وأن يقارن هذا الأداء بمعيار عام يمثل في الحقيقة متوسط أداء أفراد- من نفس العمر- في المجتمع الذي ينتمي لـه هـذا الـشـخـص. ويمـكـن بـنـاء عـلـى هـذه المقارنة أن نحدد موقع هذا الفرد من حيث مستوى ذكائه بالنسبة للآخرين. يبقى أن نشير هنا إلى أن هذا المنطق القائم على مبدأ الفروق الفردية في موضوع الذكاء قد أدى إلى تطورات هامة في تصوراتنا عنه. فلأول مرة أصبح الذكاء موضوعا تختلـف دراسـتـه تمامـا عـن الـدراسـات الـفـلـسـفـيـة السابقة. إذ لم يعد الشخص الذكي مختلفا اختلافا نوعـيـا عـن غـيـره، بـل أمكن النظر إليه لأول مرة بصفته فردا يختلف عن غيره في مقدار انتظام وظائفه العقلية بصورة تجعله أكثر قدرة على معالجة الجوانـب الـسـلـوكـيـة الممثلة للمفهوم كما سبقت الإشارة.وعندما يتكلم المشتغلون بالعلوم السـلـوكـيـة عـن وجـود فـروق كـمـيـة فـي وظيفة أو قدرة معينة، فإنهم يثيرون في الحال سؤالا هو : وكيف يمكن لنـا أن نقدر هذه الفروق؟ وما هي وسليتنا الموضوعية لذلك؟ يعتبر المقياس النفسي هو وسليتنا لذلك. والمقياس النفسي هو ببساطة أداة أو أسلوب يساعدنا على الوصف الكمي الدقـيـق. و بـعـبـارة أخـرى، فـإن أقرب تـصـور لمـفـهـوم المـقـيـاس هـو أن نـتـصـوره شـيـئـا أقـرب مـا يـكـون إلـى الامتحانات المدرسية التي تأخذ عينة من الدراسة على صيغة أسئلة، وتطلب  من الطلاب أن يجيبوا عنها بهدف التمييز بينهم من حيث درجة استيعابهم للمادة مفهوم المقياس النفسي إذن أقرب إلى مفهوم الامـتـحـان الـدراسـي، إلا أنه أكثر تعقيدا من ذلك، وأكثر دقة فليس بالضرورة أن يكون الشيء الذي يعبر عنه المقياس شيئا بسيطا ملموسا كما في موضوعات الدراسة. وهـو أدق لأنه يجب أن يعبر بالفعل عن السلوك الذي وضع لقياسـه. فـإذا كـونـا مقياسا للذكاء، فإن من الضرورة أن تكون درجة الشـخـص مـعـبـرة تـعـبـيـرا حقيقيا عن موقعه في تلك الخاصية بحيث تعكس القدرة الفـعـلـيـة لـلـفـرد على الفهم، والاستيعاب، وإدراك العلاقات المكانيـة، والـتـجـريـد، ومـعـالجـة الرموز، والاستفادة من الخبرات العقليـة وإلى غـيـر ذلـك مـن الخـصـائـص التي ننسبها أو نربطها بمفهوم الذكاء. وتعتبر مقاييس الذكاء في الوقت الحالي من أكبر الشواهد على تقـدم علم النفس، وتطور استخدام الأساليب الإحصائية والتفـكـيـر الـعـلـمـي فـي الوصول إلى القوانين السلوكية بوضوح ودقة. فبفضلها أمكن التحـول إلـى الوصف الكمي الدقيق للفروق في ذكاء الأفراد والمجتمعات المختلفة ، فضلا عن استخدام الموضوعية في اكتشاف جوانب التفوق والضـعـف فـي الـفـرد الواحد. رتب ” بينيه ” بنود مقياسه بحسب مستوى صعوبتها، بحيث بـدأ بـأسـهـل البنود وانتهى بأصعبها حسب مستوى إجابات الأطفال الذين طبق عليـهـم هذا المقياس. وقد أدى به هذا في النهاية إلى مفهوم العمر العقلي الذي أمكن من خلاله وضع مجموعة البنود التي تـضـمـنـهـا الاخـتـبـار فـي فـئـات عمرية، إذا نجح الطفل في إحداها- وليكن في مجموعة البنود الممثلة لسن ثلاثة سنوات مثلا- فإنه يمكن القول بأن العمر العقلي لهذا الطفل هو ثلاثة. أي أنه- بلغة الوظيفة أو الوظائـف الـتـي يـقـيـسـهـا الاخـتـبـار- قـادر عـلـى حـل المشكلات العقلية بنفـس كـفـاءة الأطـفـال فـي سـن ثـلاثـة. فـإذا كـان الـعـمـر الزمني لهذا الطفل هو سنتان فإننا نحكم بأنه متقدم في عمره العقلي من عمره بما يساوي سنة من النمو العقلي. كذلك أمكن ” لبينيه ” أن يكتشف مفهوم نسبة الذكاء.I.Q الذي يعطينا  قيمة عددية تمكننا من مقارنة العمر العقلي للـطـفـل بـعـمـره الـزمـنـي لـكـي نعرف ما إذا كان هذا الطفل متقدما في عمره العقلي عن عمره الزمني أم متخلفا. ويمكن الحصول على نسبة الذكاء بقسمة العمر العقلي للشخص على عمره الزمني مع ضرب الناتج في 100 على النحو الآتي:

العمر العقلي

                          نسبة الذكاء=ــــــــــــــــــــــــــــ × 100   

                                             العمر الزمني

من أشهر مقاييـس الـذكـاء فـي الـوقـت الحـالـي مـقـيـاس وكـسـلـر لـذكـاء الراشدين ومقياسه لذكاء الأطفال . وقد وضع المقياس الأول سنـة 1955 و تم تعديله بمعايير جديدة مخـتـلـفـة سـنـة 1981. مقيـاس ذكاء الأطفال نشرت له طبعة معدلة سنة  1974. وكلا المقياسين منشوران باللغة العربية مع تقنين كامل تقريبا لمقياس الذكاء الخاص بالراشدين في المجتمع  المصري .ويتماثل المقياسان من حيث بنائهما ولو أن مقياس الأطفال يلائم الأعمار من سنة إلى ستة عشر، بينما يلائم مقياس “وكسلر”لذكاء الراشدين الأعمار من ستة عشر فما فوق. ويتكون كلا المقياسين من جزئين: لفظي وأدائي. ويتكون كل جزء منهمـا مـن مـقـايـيـس فرعية. فالجزء اللفظي يتكون من مقاييس للمعلومات العامة، والفهم العام، ومعرفة مفردات لغوية، واكتشاف أوجه تـشـابـه بـين أشـيـاء مـعـيـنـة، كـذلـك يتضمن مسائل حسابية لقياس القدرة على معالجة الأرقام، و إعادة أرقام من الذاكرة بعد قراءتها للشخص. أمـا الجـزء الأدائـي فـيـتـكـون بـدوره مـن مقاييس فرعية تتطلب ترتيب مكعبات ملونة لكي تتماثل مع أشكال مرسومة على بعض بطاقات مستقلة، ومعرفة بعض الأجزاء الناقصة في صور أعدت بشكل خاص، وطلب ترتيب صور مرسومة على بطـاقـات مـسـتـقـلـة بـحـيـث تعطى معنى أو قصة، وتجميع أجزاء خشبية منفصلة بحيث تكون شكلا له معنى. من الواضح إذن أن مقاييس الذكاء تختلف من حيث المادة المكونة لـهـا فبعضها لفظي، وبعضها شكلي أو أدائي. أي أن بعضها عبارة عن مجموعة من الألفاظ أو الأرقام ولا تتطلب معالجة يدوية، وبعضها تكون مادتها صور وأشكال ومكعبات مختلفة الأحجام والألوان. ولكي يزداد حس القار ئ فهما لما تعنيه مقاييس الذكاء نورد فيما بعد بعض النماذج. نخلص إلى أنه ما من شيء يعكس قدرة الإنسان على الاستـفـادة مـن الخـبـرة، والـتـعـلـم والسيطرة عل المشكلات البيئية مثلما يعكسها ذلك المفهوم الذي نطلق عليه الذكاء بكل ما يتضمنه من قدرات على التجريد وتكوين المفاهيم سواء على المستوى الشكلي أو النظري. ويمكن اليوم قياس الذكاء والتأكد من الفروق الفردية بـين الـنـاس فـيـه بدرجة مرتفعة. وقد بدأ التقدم في قيـاس الـذكـاء سـنـة 1905 عندما نـشـر ” بينيه ” أول مقياس ذكاء في العالم، الذي تكون في صورته الأولـى مـن بـنـود يعكس النجاح في الإجابة عنها مهارات الحكم والاستدلال والتجريد. ورتب «بينيه» بنود مقياسه بحسب مستوى صعوبتها، بحيث تبدأ بالسهل وتتصعب تدريجيا. وقد أدى به هذا في النهاية إلى اكتشاف مفهـوم الـعـمـر الـعـقـلـي الذي يعبر عن كفاءة الشخص على أداء النشاط العـقـلـي الـذي يـتـلاءم مـع فئات عمرية مختلفة. ومن العمر العقلي أمكن اكتشاف نسبة الذكاء الـتـي تكون بقسمة العمر العقلي على العمر الزمني. وقد توالت بعد ذلك اختبارات أخرى للذكاء من أهمها مقاييس ” وكسلر بلفيو ” لذكاء الراشدين وذكاء الأطفال. وهو يعطي نسبتين للذكاء إحداهمـا لفظية والأخرى أدائية فضلا عن نسبة ذكاء كلية.فاختبارات الذكاء ما هي إلا بنود وأسئلة عن معلومات أو مهارات في أداء أشياء موجودة في بيئة الشخـص. وبـهـذا فهي تأخذ موقفا متحيزا منذ البداية نحو الأطفال الذين ينشئون في بيئات تختلف عن البيئات التي وضعت فيها مقاييس الذكاء. و هكذا و رغم وجود مقاييس الذكاء المتنوعة ، فقد انتهينا إلى نفس السؤال الذي كان يسأله منذ سنين وهو : هل الذكاء موروث أم مكتسب؟ الإجابة في رأينا لم تحسم بعد. لكن ما نعرفه الآن على وجـه اليقين أن إثراء البيئة، وتنشيط العقل، وتدريب التفكير تزيد الذكاء حوالي عشرين درجة. فإلى هذا الهدف يجب أن نتجه، ونحسم المتغيرات الأخرى الشائكة..