قصة من صميم الواقع : المتقاعدان

المسائية الثقافيةimgres

   يوسف بورة

مر شهران على تقاعد الحاج ابراهيم من وظيفته السامية كمدير عام لإحدى كبريات الشركات التابعة للدولة،وذلك بعد ثمانية وثلاثين سنة تدرج خلالها من مجرد موظف بسيط حتى صار على رأس الشركة .أولا بفضل التزامه وذكائه وقدرته على التعلم، وثانيا لكونه إنسانا طموحا يقدس العمل ويعتبره من أعلى القيم التي تشكل الإنسان .وطيلة هذه المدة بعد التقاعد ظل لا يبارح البيت إلا نحو المسجد ويبقى اليوم كله وجزءا كبيرا من الليل يستعيد شريط ذكرياته في تلك الشركة الكبيرة التي يعرف تفاصيل تنظيمها وتسييرها بدقة متناهية رغم تعدد فروعها وأنشطتها داخل البلاد وخارجها.

لكنه في يوم من الأيام بدأ يشعر بالملل.فهو الذي كان طوال أربعين سنة لا يكاد يجد يوما للراحة أو عطلة للتفرغ لنفسه وأسرته،ها هو يجد نفسه مع فائض من الوقت لا يعرف كيف يتصرف فيه.

حاول ،في البداية، أن يشارك زوجته تدبير أمور البيت لكنه اكتشف أن الوقت قد فات على مثل تلك الأمور بعدما كبر الأبناء وفتحوا بيوتهم الخاصة وصارت حاجيات البيت قليلة وبسيطة ولا يمكنها أن تعوضه عن حاجته الملحة للقيام بشغل ما. وبعد تفكير طويل قرر أن يقيم مشروعا ويفتح مكتبا للاستشارة القانونية والتجارية لعله يجد فيه تعويضا عن شغفه بالعمل.

وكان أول من فكر فيه ليقترح عليه الموضوع هو صديقه وزميله السيد محمد ؛والذي تقاعد بدوره قبل مدة من منصب محترم في إحدى الوزارات. فهو يعرف أن السيد محمد بدوره إنسان مهووس بالعمل وقد يفتتح بسهولة مشروعه،خصوصا وأن الجانب المادي ليس مشكلة بالنسبة إليهما معا، فلكل منهما رصيد محترم في البنك وراتب تقاعدهما يكفيهما لمتطلبات المعيشة ويزيد.

وبعدما رتب أفكاره وسجلها في دفتر خاص ،أخذ هاتفه واتصل بالسيد محمد الذي كاد يطير من الفرح حين اقترح عليه صديقه الحاج إبراهيم أن يلتقيا في أقرب وقت.فكان ترحيبه بفكرة اللقاء عاملا مشجعا للحاج إبراهيم الذي أحس بفورة من الطاقة والنشاط تسري في أواصله ويمضي قدما في تطوير أفكاره حول مشروع مكتب الاستشارة،فما كانت إلا ليلتان حتى كان الملف الأولي للمشروع مكتملا تاما.

وفي اليوم الثالث أخذ محفظته الأنيقة وخرج من البيت ليقصد مكان موعده مع صديقه في إحدى المقاهي وما أن لمحه السيد محمد حتى وقف وعانقه بحرارة ثم جلسا يسألان بعضهما البعض عن الأحوال.لكن الحاج إبراهيم لاحظ أن صديقه قد تغير كثيرا وأنه يحمل في دواخله هما ثقيلا يظهر من خلال نبرة صوته وطريقة جلوسه ولباسه.فهو لم يعد ذلك الرجل الصارم في حركاته وكلامه وأناقته،بل صار إنسانا منكسرا يتكلم بصوت خافت ويهمل هندامه ولا تكاد عيناه ترسوان على شيء أو اتجاه محدد .

وبعد لحظات ساد الصمت بين الرجلين بادر الحاج إبراهيم صديقه بالسؤال:

اعذرني السي محمد، لكنني ألاحظ أنك تغيرت عن السابق .

اعتدل سي محمد في جلسته وطلعت من صدره تنهيدة عميقة وتردد قبل أن يجيب:

إيه يا الحاج إبراهيم منذ أن تقاعدت انقلبت حياتي رأسا على عقب ،إن لم أقل أنها صارت جحيما لم يعد أحد يحترمني حتى زوجتي أصبحت تتضايق من وجودي . الزملاء والأصدقاء لم يعودوا يجيبون على مكالماتي ويتفادون لقائي كأنني مصاب بمرض معد.

عليك بشغل وقتك يا صديقي

وماذا أفعل؟ لقد تعودت طيلة حياتي على إصدار الأوامر وتنفيذها  بكل صرامة،وهو ما كان يجعل الناس بها يحترمونني…

الاحترام ليس هو الخوف أو الطمع. من يحترمك يفعل ذلك لشخصك وليس لشيء آخر.

تصور يا الحاج إبراهيم أن الموظفين في الإدارة التي كنت رئيسها رفضوا السلام علي عندما زرتهم لغرض إداري…

إلى هذا الحد؟

وأكثر..حتى بواب الإدارة لم يقدم لي تلك التحية الصارمة كما كان يفعل في السابق ،أولادي أنفسهم يتحاشون زيارتي حتى خلال المناسبات الاجتماعية والدينية…

وهكذا ظل الحاج إبراهيم ينصت لشكوى صديقه وكيف  صارت حياته بلا معنى وعندما فهم أن السيد محمد لن يفيده في مشروعه لأنه ذو شخصية متسلطة كانت تختفي وراء مظاهر الأبهة والوقار التي تمنحها السلطة ،وبأنه شخص لا يمكنه كسب احترام الآخرين إلا بالتحكم فيهم وليس بأخلاقه وخصاله الإنسانية.كما فهم أن من لا يفكر في مستقبله بعد التقاعد سيقع حتما فيما وقع فيه سي محمد.

وبعدما أوصاه بملء وقته بعمل ما  أو هواية ينفع بها نفسه،ودعه دون أن يحدثه في موضوع المشروع،فربما يجد شخصا آخر غيره لمشاركته فيه.

اضف رد