ومن نزلت بساحته المنايا ….. فلا أرض تقيه ولا سماء وأرض الله واسعة ولكن ….. إذا نزل القضا ضاق الفضاء دع الأيام تغدر كل حين ….. فما يغني عن الموت الدواء

كامرات السياح تسلط الأضواء على جراحنا العفنة

المسائية العربية     قصة من الواقع

محمد السعيد مازغ

محمد السعيد   مــــــــــــازغ

بقلم : محمد السعيد مازغ

عدسة : فتح الله الطرومبتي

نمدد الشيخ بجسده الهرم وسط ممر الامير مولاي رشيد المزدحم بمراكش، يفترش الثرى، غير آبه بالصور التي كانت تلتقط له من طرف سياح أجانب وجدوا في المشهد ما يثيرهم، ويفتح شهيتهم على الحديث عن أوضاعنا الاجتماعية وعن العيش الكريم، ومصير شيوخ لا قوة لهم ولا حول،صور تفننوا في التقاطها من كل جانب، وحافظوا عليها لتكون خير شاهد على رواياتهم ومعايناتهم لواقع مخالف تماما لما تنقله وسائل الاعلام المشجعة على السياحة والسفر إلى المغرب حيث الشمس وجمال الطبيعة وحسن الضيافة،… 

ومن نزلت بساحته المنايا ….. فلا أرض تقيه ولا سماء وأرض الله واسعة ولكن ….. إذا نزل القضا ضاق الفضاء دع الأيام تغدر كل حين ….. فما يغني عن الموت الدواء
ومن نزلت بساحته المنايا ….. فلا أرض تقيه ولا سماء
وأرض الله واسعة ولكن ….. إذا نزل القضا ضاق الفضاء
دع الأيام تغدر كل حين ….. فما يغني عن الموت الدواء

اما المارّة، من السّكان المحلّيين والتجار وبعض الزوار، فيبدو أن عيونهم ألِفت مشاهدة أطفال لم يبلغوا الحِلْم بعد، وهم يقتاتون من الفضائل وما جادت به “حاويات الأزبال أو البركاسات”، وآخرون ينامون جنب الطرقات، وقد نال منهم مخدر السيلسيون والديليا وأصناف أخرى يقْتنونها من دكاكين مخصّصة في توفير ما يحتاجه المشرد للتحليق خارج الوعي، والسفر بعيدا عن واقع بئيس يحمل في طياته الاقصاء والتهميش والحط من الكرامة، عالم لا يرحم الطفل، فكيف يلتفت إلى مسن هرم، نال منه الزمن، ورمى به في الطرقات ليجعلها ملاذا آمنا للاسترخاء والنوم العميق، لم تعد نظرات الناس تزعجه أو تثنيه عما عزم علىه، فلكل عالمه، ولكل الحرية في القيام بما يحلو له.

أحد الغيورين، استفزته عدسات آلات التصوير المصوبة في اتجاه الرجل، فكر في مواجهة السياح ومطالبتهم باحترام خصوصياتنا، وان يحولوا كاميراتهم نحو صومعة الكتبية، ونخيل مراكش، وحدائق ماجوريل، وما تزخر به البلاد من جمال وروعة، ولكن إحساسا ما منعه من الإقدام على خطوة يجهل نتائجها، كانت مجموعة من الاسئلة تراوده وتثنيه عن تنفيذ ما يجول بخاطره،هل يتفهمون موقفه ويتفاعلون معه حضاريا، أم يواجهونه وينقضوا عليه كما تنقض اللبوءة على الفريسة، وهل من حقه ان يتدخل في شأن يهم غيره، وبأي لسان سيحدثهم، وهو لا يثقن لغته الاصلية وبالأحرى اللغات الاجنبية ، حينها تذكر قولة جيمس إيرل حين قال: ” من أسوإ ما يمكن أن يحدث في الحياة، هو أن يكون في قلبك كلمات لا يستطيع لسانك أن يترجمها”.

والأكثر من ذلك، هل سيكون القانون في صفه، ويرد الاعتبار للضحية وله، أم سيدخل في سين وجيم وما تحمله الفصول القانونية من عقوبات زجرية لكل من أقلق راحة الضيوف، وعكر صفو يومهم، وتدخل في ما لا يعنيه.

تجمدت أوصاله، حرك رأسه يمينا وشمالا، بدا له عنصرين من القوات المساعدة على بعد مسافة قريبة من الحدث، تقدم نحوهما وأخبرهما بالحدث وطلب منهما فعل اي شيء حماية لكرامة مواطن مغلوب عن أمره،نظرا إليه بإشفاق، وأخبراه أن الأمر بيد الشرطة السياحية، ولا حق لهم في التدخل،لم ييأس وأعاد طلبه بإجلاء الرجل من المكان ومطالبته بالنوم بعيدا عن ممر يعج بالسياح، أو نقله إلى دار العجزة حفاظا على سمعة البلاد وصورتها الخارجية، فتنحيا جانبا، ونصحاه بالتوجه نحو المقاطعة الادارية أو مقر الشرطة لإبلاغهم بالأمر، شعر بالحسرة والأسى، وقرر ان يتجه نحو الشيخ، ويأخذ بيده، ويزيحه عن المكان بلطف ورأفة.