كن على بال : الطريق تقتل، وولد الفشوش ينتفض، والسلطات الامنية تتدارك الموقف

المسائية العربية

محمد السعيد مازغ

كن على بال، من الطريق التي تحصد الارواح يوميا، دون ان يجد لها منَظِّرو النقل والتجهيز حلا ، رصدت اموال طائلة لشراء كاميرات متنقلة والاخرى ثابثة، وسنت قوانين زجرية، وعقوبات مالية مكلفة ، وبذلت مجهودات امنية من أجل الحد من الرشوة والعبث الذي تشهده محطات المراقبة الطرقية، والفحص التقني والميكانيكي للسيارات، ومع ذلك، مازالت الطريق عبارة عن مصيدة تجود بالقتلى والجرحى والمعطوبين و المعاقين ، وتخلف الأرامل والأيتام، وعدد من المآسي الاجتماعية والاقتصادية، ..

إذا أخذنا احدى الإحصائيات الرسمية نجد انه في سنة 2016 بلغ مجموع حوادث السير 81 ألفا و 827 حادثة، مقابل 78 ألفا و 846 حادثة سنة 2015، بارتفاع ب 3,76 في المائة، وتلك الارقام تكاد تتشابه في كل السنوات، سواء  السابقة منها او الثي تليها، فمرة بزيادة نسبة مئوية ضعيفة، او نقص نسبة مئوية ، وتفسير ذلك، هو الفشل الذريع للسياسات المتبعة، ويحيل ذلك أيضا إلى أن المشكل يتجاوز القوانين الوضعية وتغريم المخالفين لقانون السير، والمتهورين في السياقة، إلى عناصر أخرى لا يمكن بلوغها بالتمني ولا بالمساطير القانونية، وهي التربية الحسنة والهادفة، التي توفر الوعي بمخاطر الطريق، وتحرص على الحياة الشخصية للفرد، وحياة الآخرين، وتؤمن بالتسامح والتعقل، و الالتزام بالسرعة المحددة وعدم تجاوزها، ليس خوفا من الشرطي المرور او الدركي، ولا من الرادارات ، ولا تهربا من غرامات المخالفة، ولكن المسألة مرتبطة بالمبادئ التي تشبع بها السائق والسائقة، وتَـرَبَّيـا عليها منذ الصغر، ومن تم فالاهتمام بالحالة الميكانيكية للسيارة، وعدم استصغار أهمية جودة الفرامل، والزيت، والعجلات، والأضواء، وغيرها من الاجراءات لم تعد مجرد احتياطات وإنما هي اساسيات تدخل في اطار اليومي العادي، وفي إطار السلامة الطرقية.

مشكل آخر، أقوى من التربية، ويكاد لا يتحدث عنه الكثير، لما له من حساسيات، وقد كشف عنه ابن الملياردير “حمزة الدرهم “، دون ان يكون لهذا الشاب المذلل القصد في ذلك، أو الوعي القانوني بخطورة الأفعال المرتكبة والموثقة بالصوت والصورة، حيث ابى “ابن الفشوش”  الذي كان يركب سيارة فخمة، إلا أن يسلط الضوء على واقع شريحة واسعة من ابناء الأثرياء ومن يسبح في فلكهم، من الذين يتعاملون مع الصنف الآخر من البشر الذي يمكن اختزالهم في لفظ “لو كونصطاطور” باستعلاء وكبرياء، فهم يدركون أن آخرها ـ غرامة مالية  ـ تقل بكثير عن ثمن قنينة الشامانيا تهرق أحيانا في التراب للتسلية فقط، أو توزع كؤوسا على المحيط استجابة للأنا ولما أملته جاذبية القنينة  ، فهؤلاء يعتبرون أنفسهم فوق القانون والمحاسبة، ولن يتجرأ أصحاب الحال على تعكير صفوهم ، سواء كانوا في حالة غير طبيعية،، أو تعمدوا ارتكاب حوادث سير لإتمام المشاهد التي وثقوها عنوة ، أو استهزؤوا بشكل مستفز برجال الأمن الذين لا حول لهم ولا قوة، ولولا التداول الواسع للفيديو الذي تعمد ” ولد الفشوش” تعميمه ومشاركته داخل اوساط شباب الفيسبوك وتويتر والوات ساب، لما بلغ ذلك إلى علم المسؤولين الكبار، والمدير العام للأمن الوطني الذي أصدر أوامره بفتح تحقيق نزيه، وتحديد الجزاءات والمسؤوليات.

 

إن من المفارقات العجيبة ان الآليات تتطور باستمار، والطرقات تتحسن ـ الطريق السيار ـ ، والإجراءات الوقائية تتفعل بشكل تدريجي يميل عموما إلى الأفضل، والميزانيات الطائلة تصرف في مجال التوعية والتحسيس، وحركة السير تحكمها قوانين صارمة ومخالفات مالية أو عقوبات قد تصل إلى الحبس، ولكن العقليات لم تتغير، والتربية على المواطنة لم تؤت أكلها، والمساجد والمدارس لم تؤد الدور المنوط بها، والحقوق والواجبات تم خلطها في قالب هزلي، تشرب منه البسطاء، وتقيأه بعض الاثرياء …..

ومع ذلك، مازال يتحكم الطيش واللامبالاة في السياقة، مازال من يستخدم الهاتف، ويتخلص من حزام الأمان، ويعاقر الخمرة ، ولا يكترث للطبيعة وما تعانيه البيئة مما تنفثه السيارة من كميات غير طبيعية من العادم البترولي، ويعطي اهمية للاشارات الضوئية ولا حق الاسبقية، تستهويه السرعة الفائقة، وصوت الفرامل على وقع عجلات تدور،  بغيرها من انواع الطيش التي جعلت عدد ضحايا حوادث السير يفوق عدد ضحايا الحروب في العديد من المناطق.