لماذا كادت وردة الثقافة الفاعلة أن تذبل في مراكش؟

المسائية العربية

 بقلم: ذ. محمد بوعابد

أوشكناأن نسجل بأن الفعل الثقافي الموكول إلى الجهات الرسمية، ونقصد بالأساس مديرية الثقافة بجهة مراكش تانسيفت الحوز، قد أضحى شأنا لا يهم أحدا، ولا يكاد يثير سوى الشجن عند من يهمهم الأمر من الفاعلين الذين يؤمنون بأن الثقافة ليست شيئا “زايد ناقص”، بل يعتبرونها أس الأسس في التحضر والحضارة. والحال أن مدينة الحضارة، مراكش”البهجة الحمراء”، قد غدت حمراء من خجل افتقارها لفضاءات تحتضن الفعل الثقافي المتحضر والمحضر، وغارت بهجتها تحت هيمنة البنايات الإسمنتية التي ما ونيت تتعالى وتكتسح الفضاءات التي كانت إلى وقت قريب فضاءات خضراء يخرج إليها المراكشيون لممارسة النزهة وتشييد وجودهم الحضاري الذي يستمد مقوماته من تاريخهم وتاريخ مدينتهم التي شكلت عاصمة عواصم الغرب الإسلامي، أ ليست هي الحاضرة التي ما تزال خطوات الفلاسفة كابن رشد والعلماء كالقاضي عياض والصلحاء كأبي العباس السبتي تتردد بين جدران حوماتها والأسوار؟ أ ليست هي المدينة التي كتب عنها الأدباء الغربيون كإلياس كانيتي وكلود أوليي وخوان غويتيصولو الذي اتخذها مقاما ومستقرا؟ ألا يحتاج ساكنها وزائرها لأن يستمتع بأبعادها الحضارية وبما تزخر به طاقات أهلها من القدرات على الإبداع الفكري والفني؟ وبالتالي أليس من العيب والعار أن تظل أسوار قصر البديع لا تتردد فيها سوى أصوات اللقالق؟ ولا تحتضن بين الفينة والأخرى إلا ما يسمى مهرجان الفلكلور؟ بينما الطاقات الشابة والواعدة من أبناء البهجة الحمراء تذوب وتتلاشى في الدروب والأحياء الحديثة التي بدون روح ولا وجدان.

وكدنا نصل في الوقت الحاضر إلى اجتياز ما يقرب من نصف عقد من الزمن ذبلت خلاله وردة الفعل الثقافي الذي كانت تحتضن فعالياته قاعات مديرية الثقافة وينشطه عدد من الفاعلين الجمعويين، مفكرين ومبدعين، فقد دوى وميض الإنتاج والترويج الفنيين والفكريين الذين كان يقدمهما ويقدم على إنجازهما مثقفو المدينة والجهة. فلنتذكر، لعل الذكرى تنفع المومنين وتوقظ الغافلين وتنبه المتغافلين، كيف كانت فضاءات “خزانة ابن يوسف” تستقبل خلال شهر رمضان مرتاديها بعد صلوات التراويح للقاء مع علماء في مختلف التاخصصات وللتداول في مختلف الشؤون والشجون الفكرية، وكيف كانت قاعة مسرح دار الثقافة تعرض على من يرتادونها عروضا فنية مسرحية وموسيقية من العيار الثقيل…ثم لنتذكر كيف كانت جملة من الجمعيات الثقافية والفنية الفاعلة في المشهد المحلي والجهوي والوطني تنسق مع المديرية وتنظم رفقتها تلك الأماسي الرمضانية التي يحضرها جمهور غفير من ساكنة المدينة.

لقد كانت المدينة والجهة خلال السنوات الفارطة تنتعش فضاءاتها الثقافية ويستقبل مثقفوها مع جماهيرها ما تم إنجازه من مؤلفات فكرية وإبداعية (شعر، قصة…)، وما تحقق من عروض فنية تشكيلية ومسرحية وموسيقية،خلال ما كانت تنظمه وتقف عليه المديرية الجهوية للثقافة ممثلا في: (القافلة المسرحية) و(شهر التراث) و(أمسيات رمضان) و(المعرض الجهوي الثقافية  للكتاب). فمتى تستعيد هذه التظاهرات الفكرية والفنية حياتها وحيويتها؟ وما العائق الذي يحول بينها وبين التحقق على غرار ما كان منذ سنوات، وعلى مثال ما هو كائن في العديد من الأقاليم الأخرى؟ نطرح هذه الأسئلة متوجهين بها إلى المسؤولين على الشأن الثقافي في المدينة والجهة، منبهين إياهم إلى أننا لا نبخسهم حقهم في ظل الشروط التي يشتغلون ضمنها، فنحن نثمن عملهم على الاحتفال بالعديد من المناسبات الوطنية والعالمية وإشراك الفعاليات الثقافية والفنية فيها، كما نشد على أيديهم بمناسبة إقامة المعارض المحلية للكتاب في مختلف مناطق الإقليم والجهة، لأننا مع إشاعة الفعل والعمل الثقافيين في مختلف جهات المملكة المغربية السعيدة، وندعو إلى أن يتحمل المثقفون، سواء أكانوا مفكرين أومبدعين، مسؤولياتهم تجاه أمتهم وأفراد شعبهم. وكم نحلم بتوفر دور الثقافة وصالات العرض الفني في كل الأحياء، وبعودة الحياة إلى مؤسسات التنشئة الاجتماعية ممثلة في دور الشباب، ولا يمكن لكل هذا أن يتحقق سوى بتضافر الجهود وبتجاوز الذاتيات الأنانية. فمتى يلتفت مواطنونا الأغنياء إلى الثقافة والإبداع باعتبارهما مجالات للاستثمار الوطني والحضاري السليم؟ ومتى يتمكن هؤلاء من إدراك أن مساهمتهم في صنع المواطن الوطني الذي يتغيا خير وطنه ومواطنيه لا يمكن لها أن تتحقق خارج الإطار الثقافي والفني؟ فيا أيها المنعشون العقاريون، إنكم لا تشيدون حظائر لا يحتاج ساكنوها سوى للأكل والشرب والنوم، بل تشيدون مدنا من المفروض فيها أن تكون ذات روح ووجدان، فاتركوا فيها فضاءات خضراء، ومعالم عمرانية تكشف ذوقكم ومستواكم الثقافي والحضاري. إننا جميعا مسؤولون عما سيتخلف عنا ومنا من الصناع للمستقبل.

 

اضف رد