لم تكن الحياة نزهة تطفح بالورود، ولا ملعقة تتقطر عسلا

المسائية الثقافية

من وحي الصورة:  لم تكن الحياة نزهة تطفح بالورود، ولا ملعقة تتقطر عسلا

بقلم : محمد السعيد مازغ

 

تتوق النفس أحيانا لفترة الشباب والفتوة، وتتحسر عن الأيام الخالية، ومرجع ذلك إلى الذاكرة التي تتعطل وظائفها أحيانا، وتتعافى أحيانا أخرى خارج إدراك و إرادة صاحبها، ويلعب الزمن والمحيط والمؤثرات بكل أشكالها الداخلية والخارجية دورا محوريا  في الاحتفاظ بالجزئيات المجهرية للاحداث التي نصادفها وتترسخ في الأذهان، أو تلك التي تمر رغم قَسْوَتها فلا تجد لنفسها حيزا فتتآكل أو تتداخل دون أن  تخضع لعملية التخزين والتمليك والتذكر.

بعض المؤثرات تعيش مع الإنسان، ويستحضرها كلما اقترنت بحدث أو مكان أو زمان، وأخرى يتجاهلها ويتقزز من ذكرها لما تشكله من ثقل على صدره، وتعكير لنفسيته، فكم من ذي مال وثراء، لم تكن لثرواته وممتلكاته وأموال اقترفها حدود، فإذا بالزمن ينقلب ويترجم غضبه بالفاقة والفقر والعوز، وكم من حبيب وقريب رحل، وترك في القلب حرقة، وفي النفس جرحا غائرا، ومع الأيام يدرك أن الأحاسيس  كحلم عابر تمحوه تباشير الصباح،  وكلما تذكر الأسباب والأخطاء وأوجاع الزمن إلا وتحولت حياته جحيما ورغبته في النسيان أكبر، لذا فهو يحب الهرب من ماضيه، وإطفاء نور ذاكرته الموجعة..

تراجع العمر إلى الوراء، ماذا عسىاه ـ افتراضا ـ أن يحمل من جديد، فتفضيل الماضي عن الحاضر، أو الحاضر عن الماضي هو في حد ذاته نوع من “زهايمر ” الزمن الخبيث الذي يجمع الأيام واللحظات في سيناريو واحد، بِنَسيمها و وعبيرها، بشدة ريحها وعصفها، بأحوال الطقس المتقلبة تقلب النفس البشرية، وفي خضم معركة اليوم القوتية، وتجاذبات ثنائية الخير والشر، وما يحمله الوافد من هزات نفسية، وطواحين اجتماعية، وقهر اقتصادي، وانشغال مبالغ فيه بالذات وبالآخر، يستمر الشيخ في المشي بدون رفقة في شارع العتمة، متشبعا بالصمت القاتل متلذذا بلعبة النسيان وهمس الهديان، ورحمة العزلة وصون اللسان.

 المسائية العربية

 ذاكرة مثقوبة، تنسى عشاء يومها وبالاحرى أن تدقق في تراكمات في وزن جبال الاطلس الشامخ، كيف لها عدّ جروح الساعات ونذوب الأماكن وقساوة الأقارب وظلم العباد.

وحتى وإن صحت فرضية جذوة الذاكرة في لحظة بوح عابرة، فالشيخ مرغم على دفن الماضي في مقبرة منسية،  تآكل رميمها، وتهاوت مقابرها، وشيدت على تربتها بيوت من عنكبوت، ملزم ان يتجاهل الإساءات التي تحولت مع الأيام إلى شقاء مزمن وجحيم لا يطاق، وان يتعايش مع باقي الكائنات المهمشة، يدنو ويتمسح عند الحاجة، ثم يتدحرج  داخل غربته ليلعق لعاب فمه الخاتر، ويستكين لعظامه المنخورة التي هدَّها الزمن ، ونال منها المشي والجوع و المرض، فَرَكَنَ إلى دُرْج ذلك المنزل الضّارب في القِدم، الخارج عن طوع المدينة الحضارة.الشاهد على عصر لا يًقيم للشيخ  عبرة، ولا للطفل حقا، وللكرامة وزنا.

 محيط يعج بنماذج بشرية لاقت المصير نفسه، فالبعض التصقت به التعاسة قبل أن يرى نور الحياة،  استقبلته حاويات الأزبال قبل أن يفتح عينيه، و آخر ألقِي به في طرقات الكلاب الضّالة، والمحظوظ منهم احْتضنتْه ملاجئ الأيتام، أو سيق إلى أسرة محرومة من نعمة الأبناء، لتتخذه ابنا بالتبني، أطفال على امتداد درب الحياة يسيرون بدون هدف، بدون تربية أو تعليم، بدون حراسة وتوجيه، بدون رحمة ولا شفقة، لم يصادفوا من يطفئ شمعة ميلادهم، ويغرد على شرفهم أنشودة : ” سنة حلوة يا جميل” ولم يذبح الخروف في أسبوعهم الاول ، ولم تعل صوت الزغردات، ولا دقات الطبول…،ولجوا الحياة خطأ، بل خطيئة،  لم تكن الحياة نزهة تطفح بالورود، ولا ملعقة تتقطر عسلا ، شربوا الضياع منذ نعومة أظافرهم، وكتب عليهم الشقاء ونقشت حروفه على مٌحيّاهم، وٌلِدوا مٌذنبين منبوذين، لم يستطيعوا تأكيد براءتهم وبالأحرى إثبات وجودهم، عاشوا على الهامش متسكعين في الطرقات بين مخالف الذئاب، هتك عرض، واغتصاب، عنف يتفجر كالبركان،عصيان في لون الاجرام، مخفر وتحقيق وزنزانة موصدة بالقضبان، حالة عود وإدمان، وفي النهاية مجرم خطر.أو عليل يحتضر، او يد ممدودة لكسرة خبز او صدقة أو فضلة من مال المعلوم وجبت للسائل والمحروم.

الشيخ يرخي جفون عينيه، غموض شاسع يكتنف  بريقها، شفتاه تتلعثم بكلمات مكبوثة تستعصي عن الفهم، وكأنها طلاسيم خطتها يد فنان تشكيلي، يعشق الإبحار في الرمزية، ثنايا ترسم على صفحات وجهه زوايا زمن مثقل بإرث موشوم بتعب الأيام وشقائها، بوجع التراب وحرقة لهيب المفاصل، ذهب الأولاد حال سبيلهم، توفيت الزوجة وتفتت عظامها في التراب، انطفأت الشموع، تقوس الظهر، قل السمع والبصر، ودقت الأجراس، وتنكر الأصحاب والخلان، رسوم على الجدران نقش عليها اسم الله. لأنه هو الحي الذي لا يموت، تطمئن بذكره القلوب، ويحيى الأمل في تحول حال إلى حال قبل موعد الرحيل المؤجل،

DSC_0486

محمد السعيد مازغ