ماذا بعد ملاءمة مدونة الصحافة والنشر !؟

المسائية العربية  

بقلم : محمد السعيد مازغ

 

   حددت مدونة الصحافة يوم 15 غشت كآخر آجل لمدراء المواقع الالكترونية وباقي وسائل الاعلام لتسوية وضعيتهم القانونية، وملاءمتها مع مقتضيات القانون رقم  88.13 المتعلق بالصحافة والنشر ، وتوعدت بغرامات وعقوبات زجرية في حق كل مخالف للتوجهات الجديدة التي تتغيى تخليق ميدان الاعلام وتقنينه ووضع حد للفوضى والتسيب اللذين شهدهما  وما زال يشهدهما هذا القطاع.

وإذا كان الإجماع شبه حاصل على ضرورة التسريع بقانون صحافة جديد يعيد للمهنة شرفها ومكانتها كسلطة رابعة وايضا كرافد اساس لبناء مجتمع ديمقراطي، يؤمن بحرية التعبير، ويلتزم باخلاقيات المهنة، ويضمن الحق في الحصول على المعلومة، إلا أن بعض الشروط التي وضعت كانت بمثابة الصدمة للعديد من مدراء المواقع الالكترونية والجرائد الورقية ، وخاصة الشرط الذي يلزم مدير النشر بضرورة التوفر على  شهادة من مستوى الاجازة على الاقل، أو شهادة متخصصة في مجال الصحافة مسلمة من طرف مؤسسات التعليم العالي العام او الخاص، أو دبلوم معترف بمعادلته لها، وشرط التوفر على البطاقة المهنية لوزارة الاتصال، إضافة إلى شروط اخرى من قبيل نظافة السجل العدلي، والإقامة بالبلد،…

الشيء الذي لم يسعف سوى 81 موقع من ملاءمة وضعيته القانونية من اصل ما يفوق 5000 موقع  منه المصرح به قانونيا، ومنه من يشتغل عشوائيا.

هذه الوضعية الجديدة شكلت حدثا بارزا ، على اعتبار الضغوطات النفسية التي خلقها القانون الجديد، والغضب الذي انتاب مدراء المواقع الالكترونية الذين اعتبروه مجحفا في حقهم، مستهدفا لوجودهم، ضربا لحرية التعبير ، وتقبيرا للمنافسة الشرسة التي باتت تميل كفتها لصالح الصحافة الالكترونية على حساب الصحافة التقليدية،وكان من الطبيعي ان تتولد عن ذلك ردود فعل مختلفة، تجسدت في مقالات صحفية، ووقفة احتجاجية امام وزارة الاتصال من تنظيم التنسيقية الوطنية للصحافة، و هي مولود جديد يسعى الى لمّ شمل المواقع الالكترونية وتمثيلها لدى المؤسسات المسؤولة، ايضا تواصلت الجهود وأثمرت عن فتح حوار مع وزارة الثقافة و الاتصال وإقحام  هيئات سياسية وحقوقية في الموضوع، وهي المجهودات التي تكللت بالنجاح، واسفرت عن  وعد يقضي بتمديد الاجال لمدة نصف سنة غير قابلة للتمديد من جديد .

هذا التمديد كان بمثابة نافدة صغيرة مطلة على بحر تناوش أمواجه الصخر أحيانا، وتلطمه أحيانا أخرى، وفي خضم المد والجزر  تسرب  ريح خفيف ، تلقفته الخياشيم  بصدر رحب، و تنفس منه مدراء المواقع الصعداء ، بعد ان كان خيارهم الوحيد والاوحد، هو التوقف عن النشر عن طواعية او عن اكراه في انتظار حجب مواقعهم رسميا، او الخضوع للغرامات المالية  عن كل مادة يتم نشرها خارج الوقت المحدد، فكان من حسنات التمديد إعطاء مهلة جديدة لتدارك الوقت، وملاءمة المواقع مع القانون الجديد.

وإذا كان مدراء المواقع قد تنفسوا من خلال التمديد الصعداء، فإن ذلك لا يعني أن تسوية اوضاعهم القانونية باليسيرة، بل اصبح من شبه المؤكد ان كثيرا من المواقع الالكترونية سيحكم عليها بالاندثار والزوال، ولن تستطيع التجاوب مع مقتضيات القانون الجديد ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:  مواقع الكترونية يديرها موظفون عموميون، أو تلك التي يمتلكها ذوي السوابق العدلية، أو المستويات التعليمية المتدنية، أو تحمل تبعات ما يسري على قانون الشركات سواء على مستوى الموارد المادية او البشرية.

 قد يكون التمديد حسب بعض الملاحظين مجرد حل  لامتصاص الغضب، وتأجيل لمشكل الى وقت لاحق، لأن الوثائق والشهادات المطلوب توفرها في مالكي تلك المواقع الالكترونية ، يستحيل بلوغها في مدة ستة اشهر او سنة بكاملها، وهناك تخوف من أن يلجأ المتشبثون بمواقعهم إلى البحث عن الحلول التدليسية ، على مستوى البحث عن شهادات من مؤسسات ” فاسدة ” لا يهمها سوى تمييع الحقل الاعلامي، والبحث عن الربح المادي على حساب القيم، ومن تم يقع الضحية في فخ ” تدراح  الشواهد ” التي يعاقب عليها القانون، وتدخل في إطار النصب والاحتيال والتزوير..

ويأمل مدراء المواقع الالكترونية أن يقع الانفراج خلال فترة التمديد، وأن تؤخذ الاقتراحات والتوصيات التي يخرج بها المعنيون بعين الاعتبار، وخاصة ما يهم الشرطين المذكورين وتعديلهما خدمة للإعلام، وفرصة للمواقع الالكترونية للخروج من نطاق الهواية والعشوائية، إلى إطار منظم، له حقوق وواجبات وعليه مسؤوليات، علما أن القوانين التشريعية التي تضبط المهنة وتسهر على تخليقها واضحة لا غبار عليها، وان كل من يتخفى وراء ستار الاتهامات الموجهة الى الاعلام الالكتروني دون استثناء، فهو إما مفتري او جاهل، وعليه ان يطلع على النصوص القانونية التي جاءت في مدونة الصحافة والشر الجديد ، والتي لا يمكن الاستهانة بها . ومن بين المطالب المطروحة اليوم، ضرورة مراجعة مواد القانون سيما المادة 125 ،، 

وختاما، وللاستئناس فقط، فإذا كان من شروط ولوج سلك التعليم، أو غيره من الوطائف المماثلة، توفر المرشح على شهادة الإجازة وما فوق،، فإن الدولة عند تطبيق القانون على الموظفين الجدد، لم تقم بطرد المعلمين والأساتذة الذين لا يتوفرون على تلك الشهادة،  بل كان هؤلاء وما زالوا الاطر التي يرجع لها الفضل في تأطير الفئة الصاعدة، لما يتوفرون عليه من خبرة وتجارب وكفاءة، ولم لا يؤخذ شرطي المردودية و الاقدمية بعين الاعتبار.