ماراطون الفقراء صراع يومي من أجل لقمة عيش

المسائية العربية

 بقلم : محمد السعيد مازغ 

كنا نعرف  ماراطونا واحدا، عشناه في طفولتنا ، ونحن نفتح أعيننا على طوابير من المهاجرين القرويين الذين يقطعون المسافات هربا من جحيم الجفاف والفقر ويتوجهون نحو المدن بحثا عن الشغل، والمتسولين وهم يتنقلون عبر الأحياء والأزقة في سباق مع الزمن الصعب بحثا عن صدقة من مال وطعام ولباس وأغطية،فيأخذوا ما احتاجوا إليه، ويبيعوا ما تبقى في مجمع ” الجوطية ” الذي يعقد مباشرة بعد صلاة العصر، كان الشيوخ والعجزة رجالا ونساء من الطبقة المسحوقة، يركضون بدورهم نحو مقاطعة الحي، لينتظموا في صفوف  انتظارا لدورهم في الحصول على حصة من الدقيق والزيت والسكر الذي كان يأتي كإعانة أمريكية للدول الفقيرة أو السائرة في طريق النمو، والحليفة لها طبعا،

 

كنا نشاهد ماراطونا آخر، تدور أحداثه بين الباعة المتجولين وعناصر من القوات المساعدة، ملاحقة شبه يومية، ولعبة مألوفة مستقاة من لعبة ” القط والفأر ” التي كانت تلقى إقبالا قل نظيره لذا مشاهدي التلفزيون باللون الأبيض والأسود، فهم أعداء بالنهار، أصدقاء بالليل، يجلس احدهم جنب الآخر ، في مقهى شعبي، يرشفون القهوة السوداء، وكؤوس الشاي المنعنع، الذي تم إعداده بواسطة آنية الزيزوى النحاسية، أو إبريق منفوخ البطن ، يشبه المرأة الحامل في شهرها التاسع، وبين الفينة والأخرى يرفع احدهم صوته بمستملحة يضحك لها الجميع، وتثير فيهم رغبة في جمع الكلمة حول موضوع موحد، حتى إذا حل الظلام، تفرقت الجموع، وأسرع كل واحد الخطى نحو مخبئه.

ماراطون الفقراء هو صراع يومي لسد جوع البطن، وإغلاق أفواه صبيان ، هو عمل شاق ومضني، وبأجر زهيد، واستسلام حد الخنوع للفقر والمرض و”الحكرة “،  هو  رقم مرعب صادم  يفيد أن حوالي 14.2 بالمئة من المغاربة فقراء، يعيش 4.2 منهم تحت خط الفقر.وأن العديد منهم بدون عمل قار، ولا تغطية صحية ولا تقاعد ولا هم يحزنون…

 

ماراطون اليوم هو عريس في قفص من ذهب، تنظم على شرفه الحفلات والسهرات على  إيقاع نغمات الموسيقى، وقرع الطبول، ورقص الرشيقات العاريات، تخاله ليلة من ليالي بغداد ايام العز والنشاط، وقبل أن تمتد أيادي الغدر لتمزق الجسد العربي، وتوقف الحلم بالقومية ووحدة الدين واللغة والمصير.

أغلب منظمي الماراطون  لا تربطهم بالرياضة سوى الخير والإحسان، فلا هم أبطال رفعوا راية الوطن في المحافل الدولية، ولا حكاما اعتمدتهم اللجنة الدولية في ماراطونات العالم ، ولا خبراء ميدانيون تكونت على ايديهم شلة من ابطال المستقبل، هم مجرد خليط امتزجت فيه السياسة بالرياضة وعطرت جدوره “بالقربات” معذرة ب القرابات وهي القدرة على اقتحام مركز القرار وإقناع أهله بضخ الملايين في صندوق الجمعية.

الماراطون اليوم يستدعى له الابطال من كل انحاء العالم، وتخصص فيه الجوائز بقيمة الذهب والفضة، ويزين المدَعّمون واجهة الملصقات باشهاراتهم وغالبا ما تكون بدورها بعيدة عن مجال الرياضة، وتتحرك قوافل المشاركين من كل الجنسيات،وتحصل الجهة المنظمة على دعم مادّي حاتمي من جهات مختلفة، بدعوى تشجيع الرياضة، والسياحة والثقافة والتشغيل وغيرها من الأهداف المسطرة في القانون الاساسي والرسائل المخصصة للعمال والولاة والمجالس الجماعية والقروية والجهوية …، ويتقدم الابطال الثلاثة الى المنصة من اجل تكريمهم بميداليات ونفحهم بشيك بنكي يزيل عنهم الضغط النفسي والبدني والجهد الذي بدلوه خلال السباق الماراطوني الذي يتطلب على الاقل ساعتين من العدو الريفي، والتهييء القبلي. وبعدها يعود كل مشارك ومنظم من حيث أتى،ويسدل الستار ليخفي وراء حجبه قصصا وحكايات .

 

ومن ألطاف الله أنه تم تدارك منع توزيع علب السجائر خلال مثل هذه الملتقيات، فحين كنا صغارا، كنا نتسابق من أجل الحصول على أكبر قدر من علب السجائر الصغيرة الحجم، تحتوي على خمس سجائر من نوع ” كازا” و”فافوريت ” ، وكانت آنذاك توزع بالمجان،ودون تمييز بين طفل صغير، وبالغ أو شيخ كبير….