ما الجدوى من ” اكبر ” طنجية وساحة جامع الفنا حبلى بالجياع

المسائية العربية

بقلم : ذ محمد السعيد مازغ

عبقرية بعض الشباب المراكشي ممن ارتبطت انشطتهم المهنية  بساحة جامع الفنا تفتقت عن اختراع عجيب ، وإبداع اريد به دخول كتاب غينيس للارقام القياسية ، رغم انه لم يخرج عن تقليد مغربي بات يستمد مشروعيته من صيغ التفضيل ” أكبر، وأطول، وأعلى …” فنجد على سبيل المثال أن مدينة مراكش سبق أن احتضنت انجاز اكبر امليط في افريقيا، والمعرض الدولي للفلاحة بمكناس شهد عرض  اكبر براد ، وأكبر قالب سكر، وبفضل الله سرنا على هذا المنوال حتى اصبح كتاب غينيس يفيض بتفوقنا في صنع اكبر طاجين بآسفي، واكبر طبق كسكس بأكادير….. واخيرا اكبر طنجية مراكشية، ويبلغ طولها ثلاثة امطار، وعرضها متر واحد، وتستوعب أزيد من 300 كيلو غرام من اللحم.

وطبيعي ان تخلق مثل هذه المبادرات ردود فعل ، وتحصر بين معجب يرى فيها استثناء مغربيا، وخطوة ترمي إلى لفت الانتباه العالمي إلى منتوج مغربي أصيل، ّكسكس، طجين، قالب  سكر النمر، علبة وقود السبع، بطاريات العاود الابيض..”، ومنها من يرى انها تدخل في إطار التحسيس والتشجيع على الاستهلاك المحلي، فنجد ان الهدف من “الأمليط حسب تصريحات المنظمين هو ترسيخ أهمية البيض في ثقافة المستهلك المغربي كغذاء صحي ومغذ ومتوازن”، إلى جانب “تبديد الخرافات الوهمية والمفاهيم الخاطئة والمغلوطة والأحكام التي تمس جودة البيض”. كما يدخل البعض ذلك في اطار البهرجة والتنشيط السياحي والتجاري، وتكسير الجمود والروتين اليومي القاتل خاصة في المدن والقرى التي قلما تشهد انشطة من الحجم الكبير، أو تلك التي يتوافد عليها السياح من كل أقطاب العالم.

المعارضون وما أكثرهم، يرون في هذا التقليد مضيعة للوقت والجهد، وتبذيرا لنعمة الله، وتقليدا أعمى يتمسك بمؤخرة الذيل، بدلا من التشجيع على الاختراع الحقيقي العلمي الذي يرفع من شأن صاحبه، ويعم بالفائدة البشرية جمعاء، وينمي الموارد البشرية والمادية، فالعرب في القرون الوسطى كانوا سباقين لتقديم منجزات ومخترعات في شتى مجالات العلوم، مثل علوم الكيمياء والفلك، والعديد من هذه المخترعات ما زال موجوداً إلى الآن، من ابرزها واهمها “الكاميرا” فكان اول من اخترعها ابن الهيثم، وسميت كاميرا نسبةً إلى اسمها العربي “قمرة”، والتي جاءت بمعنى الغرفة المظلمة. و”اجهزة التقطير” التي يرجع الفضل في اختراعها الى العالم جابر بن حيان، و” الساعات الميكانيكية” و” القفل الرقمي” الذي يستخدم في الحقائب والخزائن في أيامنا هذه، والذي يرجع اختراعه الى المهندس الجزّاري،  وقس على ذلك الاختراعات الطبية وفي مقدمتها البنج، والاسطرلاب، وغيرها من الاعمال الجليلة، التي لم يكن مخترعوها يرمون من وراء ذلك بهرجة دعائية، ولا منفعة شخصية، ولا تهافتا على الدعم المادي والريع الاجتماعي، والتقرب من المنعم عليهم ممن يتولون المسؤوليات من أهل الحل والعقد، وغير ذلك من الجروح العميقة التي تنخر جسد المجتمع، وتحول الوطن الى بقرة حلوب يجتث لبنها، وينهك ضرعها، ويداس عرضها . وتترك عرضة للاستهزاء ومادة دسمة للتنكيث والتشهير ، )شطابة السيد وزير الرياضة سابقا التي كانت افضل وسيلة لتجفيف ارضية ملعب كرة القدم  (

وما دام الموضوع تحكمه كلمة ” أكبر ” وهو اسم تفضيل مشتق على وزن “أفعل ” ليدل على أن هناك شيئين اشتركا في صفة ما، وزاد أحدهما فيها على الآخر، فوجه المقارنة هنا قد يحيلنا الى الغرب باعتبار تفوقه وريادته في شتى الميادين حاليا، فنقارن أكبر طنجية، مثلا بأكبر بارجة بحرية، واكبر طجين يملأ بطون المدعوين، باكبر تيليسكوب في العالم والذي يتوقع القائمون على المشروع إن حجمه سيجعله قادرا على تغيير فهمنا للكون، علما أن التقدم العلمي أصبح يهتم كثيرا بالأصغر حجما، والأقوى فاعلية، والأسرع انتشارا، والأفضل مردودية… الهواتف الذكية، الشبكات العنكبوتية، الاقمار الاصطناعية، الانسان الآلي…

 

قد يستنتج ” أكثر ” الناس فهما، أننا ضد كلمة ” أكبر ” طنجية ، طجين، قصعة كسكس..، أوضد من سهروا على انجاز هذا المشروع الكبير الذي حضرته شخصيات وازنة وفي مقدمتها والي ولاية مراكش، ووالي امنها، وعمدتها، وغيرهم من المسؤولين المحليين الذين ما كانوا ليلبوا الدعوة ويحضروا الى عين المكان، لولا اهمية الحدث ورمزيته، وما يرتبط به من مناسبة جليلة عزيزة على المغاربة قاطبة، ولكن امنيتنا ان يتطور الفعل ، ونسمو بعقولنا لاختراعات يتحقق خلالها اكبر عدد من المتطوعين بالدم، واكبر نسبة في النجاح وإيجاد فرص الشغل، وأكبر تحدي للفساد بكل اشكاله وتلاوينه، أكبر حملة لحماية البيئة من الثلوت، واكبر مائدة اطعام لقائدة الجوعى من فقراء البلد، فلا يعقل أن نخترع أكبر طنجية في العالم، محشوة بأكبر قدر من اللحوم ، وأهل ساحة جامع الفنا من الفقراء يبيتون جوعى، ولا يصلهم منها حتى فتات الموائد.