لحسن كجديحي

نحو تعليم متزن

المسائية العربية

لحسن كجديحي

لحسن كجديحي

  لحسن كجديحي

( ما قيمة سفينة الدولة إذا لم نكن جميعاً على ظهرها ؟ ) .

أحببت أن أصدر خطابي هذا بمثل ياباني عثرت عليه عبر إحدى قراءتي المهووسة :  

وحين نتحدث عن وضع كل الخلفيات لرؤية جديدة ومتجددة لأهداف تعليمنا حاضراً ومستقبلاً، فإنما ننشد من وراء ذلك كله إسهام التعليم في صياغة الإنسان المغربي في مجتمع عالمي يتيح له تنمية طاقاته المختلفة لاستيعاب تلك المتغيرات العلمية، بل وولوج إنتاج المعرفة الذاتية العالمية، وما يستدعيه ذلك من سياسات وموارد. تلك هي الخلفية الثقافية التي تقع محاولات توظيف التعليم في إطارها ليسهم في تحقيق ذلك التعامل الناقد والرشيد،إيجاباً وسلباً مع المتغيرات الكونية، ولعل أهمها بالنسبة لمنظومة التعليم ما تموج به متغيراتها من ثورات وقوى معرفية أرستها المنجزات العلمية والتكنولوجية، وما أفرزته من نظم المعلوماتية وشبكة الاتصالات والفضائيات. ويتوقف التوظيف الفعّال للتكنولوجيا في التعليم والتعلم واستخدام شبكات الإنترنت المحلية والعالمية على تأسيس هذه الذهنية العلمية في التفكير وتنوّع مصادر المعرفة في محيط المدرسة والجامعة، وفي مؤسسات البحث العلمي، وفي التعلم الذاتي، ومن خلال هذا الجانب في عمق العملية التعليمية يتسع المجال للتميّز والتفوّق والإتقان مما يتطلبه عالم التنافس في السوق العالمية المفتوحة.

والحاصل أننا افتقدنا إلى حد كبير الملكة النقدية والسعي الجماعي والثقة بالنفس، وبقدراتنا الذاتية من أجل التعامل مع متغيرات هذا الزمان الثقافي الكوني، والذي يفرض نفسه علينا لنضطرب في توجهاته، ومع أنه لا مناص لنا من التفاعل والتحسّب لموجاته، ولا فكاك من حتمية التلاطم معها، فإن مسؤوليتنا تقع في تحديد ماذا نصنعه نحن؟ لا ماذا يصنعه غيرنا فينا، وفي بذل الجهد تكييفاً، ومتابعة ومواجهة، وقبولاً، ومدافعة لتلك الموجات، ضماناً للمناعة والبقاء والتجدد والنماء.

ينبغي هنا التأكيد على أهم مَعْلمين من معالم الكونية التي نعيش إرهاصاتها، والتي لها صلة أكثر مباشرة بموضوع مستقبل التعليم من أجل تحقيق تعليم متزن.و أول هذين المَعْلمين هو كونية السوق الطليق وحريته وثقافته، وثانيهما الثورات العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية والاتصالية وآثارها في مجالات الإنتاج والخدمات والمرافق والتعليم والثقافة. كما يقتضي الأمر أن يقع التركيز  على الاكتساب والاستيعاب للمعرفة العلمية والتكنولوجية والتي تمثل القلب من مدخلاتها و مخرجاتها، وتتكامل في هذا السعي لتطوير تعليم المستقبل استراتيجيات من الأبعاد المترابطة من منظور الرؤية المستقبلية في التخطيط و التنفيذ، ويظل من مسؤوليات الدولة التي ينبغي أن توليها مزيداً من أولوياتها واهتماماتها الحقيقية. و من بين هذه الاستراتيجيات العناية بامتداد فرص التعليم للصغار والكبار أينما كان موقعهم الجغرافي في المدن والقرى والبوادي، وللبنين والبنات، بما يقلل إلى أقصى درجة ممكنة من التفاوتات الجغرافية والاقتصادية بين الأطفال والشباب كافة، أي بين ممن يعتبر التعليم حقاً من حقوقهم الإنسانية، ويندرج هذا البعد الاستراتيجي في شعار منظمة اليونسكو (التعليم للجميع) دون استبعاد أو غربلة متعسّفة للمتعلمين آخذاً بالمبدأ البيروقراطي في استنفاد المتعلم لمرات الرسوب. ناهيك عن ضرورة إتاحة فرص التعليم إلى أطول فترة ممكنة من السنوات بعد مدة التعليم الأساس، ويجدر الالتفات هنا إلى أنه ليس من المعقول تكوين القوة البشرية المطلوبة لتحمّل أعباء المستقبل بتعليم ينتهي بالنسبة لمعظم أطفالنا وشبابنا عند المرحلة المتوسطة (الإعدادي) باعتبارها نهاية التعليم الأساس، ونتساءل عن أي أساس لأي عصر؟ بل والمأمول أن يصبح التعليم الثانوي أساسياً، وأن يتاح مزيد من الفرص للتعليم الجامعي.

و يبقى البعد الاستراتيجي الأهم وهو المتصل بالتطوير الكيفي لمناهج التعليم وأساليبها، حيث يعتبر من أهم أبعاد العملية التعليمية في تعليم المستقبل، و الذي يتألف من أربع ركائز تتمثل في ( تكوين الإنسان الكلي –  الشمول المعرفي – تنمية التفكير و توظيف مختلف الأساليب والطرائق ومصادر المعرفة).

ونقصد بتكوين الإنسان الكلي ما تؤدي إليه العملية التعليمية من إنضاج لمركب مختلف قدرات المتعلم البدنية والعقلية والروحية والاجتماعية والمهارية والجمالية، ويفارق هذا التكوين ما تجري عليه ممارستنا الحالية من التركيز على الجانب المعرفي والاهتمام المحدود بتنمية مركب الطاقات والقدرات المتعددة للمتعلم، مما يؤدي إلى تكوين الإنسان الجزئي أحادي البعد، حيث تتقلص تنمية الجوانب الأخرى من طاقاته مرحلة بعد مرحلة، حتى ينتهي مع المرحلة الثانوية والجامعية إلى اختزالها إلى الأهداف (البنكية) في حفظ المعلومات واسترجاعها مما يتطلبه النجاح في الامتحانات.

أما الشمول المعرفي فيتطلب التركيز على قيمة كل نظام معرفي ومفاهيمه الأساسية ومناهجه العلمية، ومنطقه وحكمته التي من أجلها يتم وضعه كضرورة أساسية في مقررات التعليم، ويصبح ذلك جزءاً لا يتجزأ من المعلومات والقضايا التي تعالجها مفردات المقررات وعلاقاتها الدراسية، والواقع أن المفاهيم والمناهج العلمية والمنطقية التي تتضمنها تلك المقررات هي التي تكوّن العقلية المعرفية الناضجة في معالجة مسائل الحياة فيما بعد، وهنا تصدق مقولة برنارد شو (إن التعلم الحقيقي هو ما يتبقى في الذهن بعد أن ينسى الإنسان تفاصيل ما تعلم في المدرسة).

أما الركيزتان المتبقيتان فترتبطان بالتأكيد على أهمية الجانب العقلي وتنمية القدرات العقلية في التفكير العلمي بمختلف مداخله ومناهجه ومقارباته وتعقدّه. وهذه التنمية هي مفتاح التعامل في الحياة حاضراً ومستقبلاً مع ثورة المعلومات، نظراً لما تزخر به الموجة الحضارية الثالثة من منجزاتها العلمية والتكنولوجية والاعتماد على الإنتاج الكثيف للمعرفة. وفي اختصار شديد، تستهدف العملية التعليمية، لا مجرد حفظ المعلومات واجترارها، إذ إن تكنولوجيا المعلومات كفيلة بتوفير ذلك، وإنما تدور أساساً حول مهارات المعرفة العلمية في طرائق الدراسة والفهم والتساؤل والتنظيم والتفسير. ويعني ذلك التوظيف للعمليات العقلية من التصنيف، والتبويب، والتحليل، والمقارنة، والتجريب، والتأمل، والنقد، ودلالات عوامل الزمكان، وقوى المجتمع، والمنظور التاريخي التطوري، وإدراك العلاقات وتشابكاتها وأوزانها في الإطار المنظومي، واكتساب روح المغامرة واحتمال التجربة والخطأ (فمَن لا يخطئ لا يتعلم)، وحل المشكلات وتصميم البدائل، وانتهاء بإبداع أشكال وصور جديدة مغايرة للصور القائمة أو التنبؤ بنتائج متوقعة تحسّباً للمجهول، واستخراج قوانين جديدة أو تقنيات عملية جديدة. وهذا النمط من تنمية التفكير هو أداة التغيير والتطوير والاتساق مع الموجة الثالثة في عالم المعرفة، في تعقّدها وتنوّعها وتجدّدها ونسيبتها، وأحياناً عدم اليقين في معطياتها، وهذه منطلقات تتجاوز تفسير العوامل الأحادية المسطحة، وذات الأفق الزمني المحدود، أو ما تفرضه سلطة مجتمعية أو علمية تدّعي امتلاك المعرفة الحقيقية واحتكارها، أو ما تمليه خبرات وممارسات تتشح بثوب العصمة. هذا مع ضرورة الإدراك والوعي المتزايد بدءاً من مناهج المدرسة والجامعة بحدود الثقافة اللفظية والإنشائية و الماضوية و المتحفية، والتي لا تستند إلى مناهج العلم وثقافته، مما يعوق تعاملنا الرشيد مع التحديات المعرفية والتنافسية في عصر الكونية ومتغيراتها وآلياتها.

ويترتب على القول بنسبية كل حقيقة أن أي اختيار يكون صائباً بقدر ما يتفق مع معطيات الواقع، ويحل بعض أهم معضلاته بالنسبة للمجتمع في مرحلة تاريخية ما، وبينما يجب أن يكون المجتمع في مجموعه هو صاحب الاختيار لأنه هو الذي يتحمل تبعاته، فإن العلم هو الإنارة اللازمة لحقل الاختيار، حيث يمثل الحصيلة الموثقة للمعارف المتاحة بالواقع، والمنظور الملائم للتعرّف على مزايا ومثالب كل اختيار، هذا إلى جانب كونه الأساس الواعي بنفسه للإنجازات التكنولوجية العصرية، ولفهم العالم المحيط بنا، وكونه مصدراً لا ينضب للمتعة المعرفية بذاتها ولذاتها. وفي عصرنا، انتشرت الثقافة المواتية للعلم وصارت جزءًا لا يتجزأ من منظومة العلم والتكنولوجيا، وهو ما نسمّيه الثقافة العلمية، ويعد نشر الثقافة العلمية إحدى أهم مسؤوليات نظام التعليم ومنظومة المجتمع العلمي، وهي تعني أموراً كثيرة ليس أقلها متابعة إنجازات ومسيرة البحث العلمي من قبل أعداد كبيرة من أبناء المجتمع، فالثقافة العلمية هي مسعى لتخليص المعرفة العلمية من انغلاقها داخل نخبة متخصصة، وإتاحتها للجمهور الواسع، وتمكينه من خلالها من مواجهة مشكلاته وحلّها، وهو ما يمثل مصدراً ثريّاً للطلب على المعرفة العلمية، وهو طلب لا يتطور العلم العصري دونه.

والواقع أن ثقافتنا المغربية خاصة و العربية عامة ظلت عاطفة على العلم لفترة طويلة، وذلك بتأثير الاحترام والهيبة اللتين أضفاهما الإسلام على العلم والعلماء، ولكنها تزخر الآن بالنتائج المدمّرة لأكثر من سبعة قرون من الجمود والتخلف، وهو ما يتبدى في الرصيد الهائل والمتجدد من الخرافات، ومن أفكار تكدّس التفكير الأسطوري والخرافي (رغم الادعاء بالحداثة ). وقد آن الأوان لإعادة التأكيد على قيمة ودور الثقافة العلمية في ثقافتنا.

فالرسالة أو الواجب ليس خطبة فارغة، وليست عظة أخلاقية مجرّدة، كما أنها ليست فرضاً للرأي بالعنف، ولا ادّعاء صارخاً بالتفوق، إنها الإضافة الحقيقية إلى رصيد الإنسان من المعارف ودوافع الخير ووسائل العيش الوفير، ودفع الحياة وتخصيبها وتجديدها دوماً، ويتفرع عن ذلك كله أن نضيف للعالم تكنولوجيات وسلعا جديدة بدلاً من قعودنا على تصدير سلعة واحدة لم يكن لنا الفضل في اكتشافها واستخراجها وتصنيعها إلا لماماً.

مهما تحدّثنا عن أهمية الإبداع الذاتي أو الاستقلال الفكري، ومضينا في طريق تنمية القدرات الذاتية، وبحثنا لأنفسنا عن هوية خاصة نباهي بها غيرنا، فلا نتيجة فعلية يمكن أن نحققها في ذلك كله لو تجاهلنا حتمية الانفتاح على العالم من حولنا، وضرورة معرفة أسرار تقدمه، والأخذ من منجزات هذا التقدم ما يدفعنا إلى الأمام، وينقلنا من واقع الضرورة إلى أفق الحرية، ومن وهاد التخلف إلى ذرى التقدم، يفرض علينا ذلك أن الوعي بالهوية وعي بالغيرية، وأن حضور الآخر المتقدم بعض مكونات وعي الأنا التي تسعى إلى مجاوزة ما عليه من تخلّف، وأن مجاوزة التخلف لا يمكن أن تتحقق بالعزلة أو الانغلاق أو الخوف أو الجمود، وإنما بالانفتاح على الغير، والحوار مع الآخر، والتفاعل مع كل ما يثري الإبداع الذاتي.

اضف رد