مراكش الذاكرة المثقلة  بالمهارات

الـمـسـائـيــة الـعربـيــــــــة

بقلم : عبد الحفيظ السيدي

هل باستطاعة الذاكرة أن تتسع لكل هذا العرمرم من المسرحيين المراكشيين وابداعاتهم الشامخة في ركح تاريخ مراكش الحافل بالعطاء الفني؟

كيف يحصل هذا الاستيعاب، ونحن جميعا نمارس المسرح الخلاق بتلقائية  صادقة في كل جزئيات حياتنا اليومية في الدور والدروب و الأحياء والأزقة والساحات والمدارس والقاعات؟

أين يبتدئ المسرح فينا وأين ينتهي؟ قد يكون هذا السؤال سيزيفيا، تماما كما يُطرَح السؤال اللغْز : (شكون اللي سبق، الدجاجة ولاّ البيضة؟)

المسرح سليقة فينا وطبع مطبوع بلا تصنع وبلا نرجسية أو تفاخر مريض. بل ذاك قدرنا الذي جُبلنا عليه.

كيف لا !!! ونحن منذ طفولتنا، تقودنا خطواتنا الأولى، لنتلقّى دروس الفرجة، في ركح الأشكال ماقبل المسرحية،  بساحة (جامع الفنا) ونحن نتابع عروض المعلمين الأوائل:

ملك جالوق – ميخي – باقشيش – فليفلة – الصاروخ – دكتور الحشرات – الفيلسوف – الساحر –  بن فايدة والشرقاوي –  أولاد سيدي احماد أوموسى والكثير من الحكواتية وغيرهم من رواد  فن الحلقة.

ألم نتشبع منذ نشأتنا في هذا المضمار بأشكال الملهاة وأشكال المأساة؛ حدثا وتشخيصا وإلقاء وإيماء وحركة وحوارا؟

ألم يساهم المسرح المراكشي في دعم الحركة الوطنية أثناء معركتها لمحاربة الاستعمار (غيرْ بَالفنْ) كما تعوّدنا أن نقول كأسلوب لمواجهة الخصم أو العدو؟

ألم يُدعم المسرح المراكشي قضايا الشعب الأساسية في فجر الاستقلال من أجل النهوض بهذا الوطن ليتبوأ مكانته المرتقبة بين مصاف الدول المتقدمة؟

ألم يظل المسرح المراكشي مجالا للكفاح الى جانب الميادين الكفاحية الأخرى سياسيا واجتماعيا وفكريا؟

ألم تكن مراكش هي الحقل الخِصب الذي زُرِعَتْ فيه بذور المسرح الطلائعي

 التواق الى الحرية على يد الغالى الصقلي ومحمد شهرمان وعبد الكريم بناني وعبد العزيز الزيادي وعبد الله المعاوي وغيرهم حتى انتشر على الصعيد الوطني كالنار في الهشيم؟

ونحن تلاميذهم علمونا السير على هذا المنوال :

((أن يكون لك احساس مرهف،ورؤية ثاقبة تتجاوز السائد المألوف، أن تعبر عن الواقع بعمق يفوق العادة ويتجاوز المستهلَك ،وتصوره كما يستحق،أن تكشفه من وراء المساحيق والأقنعة والمغالطات،وتعري عورته العارية من الحقيقة،وتَفُضَّه من المُسلمات السالِمات من التمحيص والنقد،فأنت مجنون منبوذ،أنت فنان مسرحي بالتأكيد.(ذُهانُك) يعيق تَكَيُّفَكَ في الأوساط السائدة  بين حشود القطيع.

أنت غير قابل للتكيُّف والإندماج المطلوبين،أنت على هامش الأعراف والعادات والتقاليد  وأيضا أنت آفة تُعْدي الجُموعَ باللاشرع واللا مشروع.أنت الأذى والضُّرُّ،ولا يليق بك أن تكون حرا،مقامك الحصار والأسر.صن لسانك واغمد قلمك في قلبك، واكسر ريشتك في مرسمك ،وبدد أوتارك على إيقاع صمتك،وهدم ركحك فوق مآسيك،وألجِم جسدك بأسمال تقاليدهم،واخنق حنجرتك بالمدح والتبجيل، وحطم  منحوتاتك وعانق الفراغ،فعملك رجس من عمل الشيطان. بل أنت الشيطان نفسه.

أفلا تغري الناس بالجمال؟ الا تسعى لمساواتهم في الرتبة والمقام؟ الفنان غريم المقدس، يغري بالأوهام وينصب بالأحلام.هكذا سيتهمونك فكن حذرا يقظا، فأنت على وجه الحق، اللّبيب المُهتَدي للسبيل الرشيد، الذي ينير المَسيرَ ويزيح ظلام الرؤية الغافلة عن عيون الأبرياء المكلومين.فاصدح بما تُؤمن.

فلا اصطفاء لك غير أن تكون قربانا للجموع في طريقها نحو الانعتاق، من البرك العفنة الحالكة. لتعانق الأفق الواسع الممتد ضياء وصفاء من البر حتى البحر وصعودا الى السماء. كن طائرا يُذبَح مرات يجود بدمائه باستمرار ولا يموت أبدا.

بهذا الهم وبهذا الفهم، سرنا واثِقي الخُطى في درب المسرح. نحلم بغد الجموع المشرق،ننسجه على بساط الركح: تشكيلا والحانا وغناء ورقصا، نطلق العنان للتعبير الجسدي ليبوح برجائه ضدا على انحساره القهري. وجوارحه تفيض صَوْغا جَهْوَرِيا بليغا متعقلا في كل ما كان يُضْمِر من معاناة قاسية. ويغْزِل مُبتغاه شعرا مُشرِقا يتراقص بين انقشاع الأضواء وإزاحة الظلام.

هكذا دخلنا محراب المسرح ذاك الحقل الفني الشامل الذي يدعى أب الفنون. لنعانق حشود الجماهير في احتفالات تزخر بحلمنا المرجو واضعينَه فوق متن رؤيتنا الثاقبة على امتداد الألف ميل وميل. ترافقنا أنفاس الناس بعقولها وعواطفها، بحسراتها و زفراتها، وأيضا بحبورها وابتهاجها. كنا جميعا نسرق بعضا من أرجائنا وسط هذه اللحمة الجماهيرية الاستثنائية. كنا نحلم بحق ضدا على كل ذاك الجبروت الذي يحرسنا بل يحاصرنا من كل الأنحاء. كانت إرادتنا و شجاعتنا وتضحياتنا تختلس لحظات انتصار الجمال والخير من سطوة ديمومة القبح والشر.

حشود من الشابات والشباب الفقراء ،يفيضون عطاء وهم يشيدون حلمهم محسوسا ملموسا على الركح كمجاز للواقع المرجو. يستعيرون المستنير المفقود اللاموجود في عتمة هذا الوجود. ويهدونه كناية عن مبتغى هذا التجمهر المتطلع للآتي المنشود. ))

كان هذا هو درسنا  الذي استكملنا به المسار الذي أسسه السابقون. أسْعَفَنا في  ازدهاره انتشار الفكر التحرري والمد الجماهيري العارم التواق للانعتاق الى الحرية والديمقراطية.

واليوم في ظل تراجع الفكر المتنور، وهيمنة النزعة الظلامية؛ وتفشي الفساد حتى استطال المجال السياسي والثقافي والفني ومنه الى المسرح، الذي لم تعد تفتح أمامه إلا أبواب الرداءة بمؤامرات حثيثة لطمس الأعمال الجادة، ليتقهقر الذوق الفني لدى أوسع الجماهير ليستفحل الضَّلال. والتهمة هنا موجهة بالأساس للمتحكمين في الانتاج،الذين يحاصرون المبدعين الفعليين، ويقحمون المتصلتين ليسيطروا على الميدان.وتعم الرداءة.

ولهذا يجب أن نلتمس العذر لكل المسرحيين المكرهين في هذا الوضع،وهم يمارسون ما يكرهون دفاعا عن قوتهم اليومي، كما يجب أن نحيي كل الذين لا زالوا لم يرفعوا الراية البيضاء خنوعا وانحناء، لهذا الإكراه المقيت.وأذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر:

الفنان عبد اللطيف فردوس والفنان ابراهيم الهنائي والفنان عبد العزيز ماهيروالفان عزيز البوزاوي والمتألق عبد الهادي طهراش الفنان حسن الادريسي  والفنان حسن هموش.

وكم يؤلمني بل يؤلمنا جميعا (ضحايا المسرح) الذين تشردوا بيننا.. ويعانون من ضيق ذات اليد فرِفْقا بهم .. رفقا بهم ..رفقا بهم.

قال الفقيد محمد شهرمان في مسرحية (الضفادع الكحلة):

إلا كانت انسانية هَذي

فين اللي قالوا أجدادي

فين الصفا   فين الرخا

فين الإيخاء

فين اللي قالوا

الانسان عايش لأحوالو

الانسان جوهر فاقد مثالو

الانسان إنسان

فصرفو وفعلو وأقوالو.

ولا ننسى جنود الخفاء من تقنيين في الانارة والديكور والملابس .

من عبد اللطيف الجواي والمرحوم احمد الجواي  واحمد بنعطية وعبد الله المصباحي والزِّيوري والمعاوي الصغير وعبد اللطيف الملاخ و حميد شوقي وغيرهم.

وأيضا أولئك الذين رافقوا هذا المسار يرشون بعطر أنغامهم  ثنايا العروض المسرحية الملحنون: محمد الدرهم وعزيز الطاهري عبد الصمد بوسكسو  وعزيز باعلي وعزيز أبالا وحسن شيكار وغيرهم.

وبهذه المناسبة أحيي قيدومنا و مرجعنا وأستاذنا المختار الملالي مع متمنياتي له بمزيد من العطاء وطول العمر.

img-20161207-wa0048

 

 توقيع عبد الحفيظ السيدي

خريج مراكش وتلميذ مسرحيي المدينة  وبديهة أهلها.