محمد الساسي مفكر مغربي

مغربيات اليوم

المسائية العربية

محمد الساسي  مفكر مغربي

محمد الساسي
مفكر مغربي

محمد الساسي

لم يسبق أن تَوَفَّرَ، سابقًا، للاحتفال بعيد المرأة في 8 مارس، مغربيًا، كل هذا الزخم من الأنشطة والفعاليات. حِرْصُ الكثير من الجهات على تخليد المناسبة، هذه السنة، بحماس أوفر وأجلى لم يكن منطلقًا من أهمية الدفاع عن قضية المرأة، فقط، بل كان يهدف، أيضا، إلى تسجيل إصابة في مرمى الرئيس الحالي للحكومة وحزبه. وهذا، على كل حال، يدخل ضمن قواعد اللعب السياسي المألوفة والجارية. ولقد مكنت النقاشات والمواد المنشورة، هذه السنة، من استحضار بعض مما يحمله وضع المرأة المغربية من سمات إيجابية وأخرى سلبية.

وتوجد، ربما، في طليعة السمات الإيجابية :

–       ارتفاع أمل الحياة، ففي الوسط الحضري، عام 2012، وصل إلى 79,7 سنة لدى المرأة، متجاوزا بذلك أمل الحياة لدى الرجل بأربع سنوات، وذلك بسبب اعتنائها أكثر بصحتها والتزامها النسبي باحترام قواعد النظافة والسلامة والرياضة وتجنب التدخين والخمر…إلخ؛

–       تزايد نسب تأنيث قوائم الخريجين الجامعيين، فقد وصلت النسبة العامة، في موسم 2010-2009، إلى 52,3 في المائة (طب الأسنان : 73 في المائة – الطب والصيدلة : 63,6 في المائة – الآداب : 55,3 في المائة– الحقوق والاقتصاد : 53,9 في المائة). هذا التفوق الكمي يصطحب تدريجيا بظاهرة الحصول المتزايد على أعلى النتائج الدراسية؛

–       تولي مجموعة من المناصب العليا التي كانت حكرًا على الرجال وازدياد نسبة التربع على مواقع المسؤولية والقرار (وزيرات – سفيرات – واليات – عاملات – مديرات – رئيسات مصالح – برلمانيات – مستشارات – رئيسات أحزاب وجماعات محلية ومنظمات مدنية ومهنية)؛

–       تغير الوضعية القانونية للمرأة، رأسًا على عقب، بصدور مدونة الأسرة التي اعتمدت تعريفًا للزواج منصفًا للمرأة، ووضعت الأسرة تحت رعاية الزوجين، وساوت بينهما في الحقوق والواجبات وفي سن الزواج، وسمحت للزوجة بطلب التطليق للشقاق،وقيدت التعدد بشرط موافقة الزوجة الأولى وبوجود المبرر الموضوعي الاستثنائي والموارد الكافية،ومنحت الراشدة حق عقد زواجها بنفسها بدون ولي؛

–       دستـرة عـدد مـن المكتسبات النسائية الهامـة مـن خـلال الـوثيقة الدستوريـة لـ29 يوليوز 2011 التي لم تقصر المساواة، بين الرجل والمرأة، على الجانب السياسي، والتي أكدت على سعي الدولة إلى تحقيق مبدإ المناصفة بين الرجال والنساء، والتي نصت على إحداث هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، وكرست مبدأ تخصيص كوطا للنساء في المؤسسات المنتخبة؛

–       مباشرة سلسلة من الإصلاحات القانونية التي عززت مكانة المرأة واعترفت بحقوقها ووضعت حدًا لعدد من مظاهر الحيف والتمييز التي كانت تلحقها. وهكذا سُمح لها بممارسة التجارة دون إذن من الزوج، وأصبحت مشمولة ببعض الأعذار التي كانت حكرًا على الرجل في القانون الجنائي، وغدا بإمكانها منح الجنسية المغربية لأبنائها من أب أجنبي، ومُنع التمييز في العمل والأجر بمقتضى مدونة الشغل، ونص القانون الجنائي على التحرش الجنسي، وألغيت الفقرة 2 من الفصل 475، منه، التي كانت تسمح بعدم متابعة من اختطف أنثى أو غرر بها وهي قاصر إذا تزوج بها…

أما السمات السلبية فتتمثل، أساسًا، في :

–       ضعف نسبة تأنيث الشغل، فهذه النسبة، في 2012، لم تتعد 26,1 في المائة، ونسبة تأنيث موظفي الدولة، الذين تُصرف أجورهم من الخزينة العامة للمملكة، كانت، تبلغ 35 في المائة عام 2005، وظلت كذلك في عام 2012. ومن ضمن النساء المشتغلات هناك أكثر من 57 في المائة ينحصر شغلهن في إطار المساعدة العائلية. إن التحرر الحقيقي للمرأة يبدأ من لحظة تأمين استقلالها المادي، إذ يسمح لها ذلك بتفعيل حقوقها على مستوى الأسرة. المرأة بدون استقلال مادي ستظل تابعة ومعرضة للتهميش وأكثر قابلية لتحمل الظلم والهوان وهضم الحقوق. الفقر يجعل فئات من النساء مرشحة للدخول إلى سوق العمالة الجنسية في الداخل والخارج، فازدياد الهجرة النسائية إلى بلدان عربية بعينها أصبح مرتبطًا، في نظر الكثيرين، بالبحث عن موارد مقابل خدمات جنسية متنوعة. كما أن الوفادة السياحية، من تلك البلدان، أصبح يُنظر إليها، في العديد من الحالات، على أنها مجرد وسيلة للحصول على تلك الخدمات في المغرب. وانتشار البغاء، عموماً، يؤدي إلى المس بصورة النساء، رغم عدم وجود أية علاقة لأغلبيتهن الساحقة به، وذلك بسبب سيادةالفكرة التي تربط الجنس بالمال وتحول المرأة، بالتالي، إلى سلعة. ولذلك، لا بد من مخطط شامل لمحاربة البغاء يعتمد على تجفيف منابعه وإدماج نسائه في سوق الشغل النظامي؛

–       بلوغ العنف الموجه ضد النساء درجات مقلقة، فتحسن الوضعية القانونية للمرأة لم يكن كافيًا لردع نزعات هذا النوع من العنف؛ فالنساء البالغات من 18 إلى 64 سنة في 2010 تعرضت 62 في المائة منهن للعنف في 2009، أي أن امرأتين، تقريبًا، من بين كل ثلاث، تتعرضان، عملياً، للعنف بأشكاله المختلفة. ويتزايد تعرض المرأة للتحرش ولمظاهر التبخيس والاحتقار والإهانة، ويُنظر إليها كمصدر للكثير من علل المجتمع وأسقامه واختلالاته. واتهامالمرأة بأي شيء مازال أمرا سهلاً، فنصوص أغاني الدوادية، مثلاً،  تستدعي، في نظر البعض، رفع دعوى قضائية ضدها، لأنها امرأة، أما نصوص الراب، التي يغنيها ذكور، فمهما بلغت من الابتذال والإسفاف فإنها لا تحرك في ذلك البعض ساكنا لأن ما يحل للرجل لا يحل كله للمرأة؛

–       المرأة هي الضحية الأولى لما أصاب مؤسسة الزواج والأسرة من مشاكل. نسبة العزوبة النهائية في 50 سنة، بالنسبة إلى المرأة في الوسط الحضري، بلغت 8 في المائة عام 2010؛ والسن المتوسط للزواج الأول في الوسط الحضري ارتفع إلى 32,5 سنة بالنسبة إلى الذكور، و27,4 سنة بالنسبة إلى الإناث، عام 2010؛ والنسبة العامة للمطلقين، بعد زواج أول، ارتفعت إلى 10,2 في المائة عام 2010؛ ورسوم الطلاق، في 2012، بلغت أكثر من 24 ألف، وأحياناً كانت تصل إلى أكثر من 27 ألفاً (عام 2007). المرأة المغربية تجد، اليوم، صعوبة أكبر في بناء أسرة مستقرة، وحظوظها في إبرام زواج ثان بعد طلاقها تتراجع سنة بعد سنة وكادت، في 2010، تمثل نصف حظوظ الرجل، في الوسط الحضري (7,4 للمرأة مقارنة ب 12,4 في المائة للرجل)؛

–       وجود ما يشبه الخطة المحكمة لإفراغ مدونة الأسرة، عملياً، من مضمونها، وذلك من خلال استعمال مسطرة توثيق الزواج العرفي للتملص من القيود المتعلقة بالتعدد وزواج القاصرات، واصطناع مشكل في عنوان الزوجة المُراد التزوج عليها،والاستجابة شبه الأوتوماتيكية لطلبات الإذن بزواج القاصرات، فمن بين 42.677 طلباً، في 2012، تَمَّ قبول 36.791 منها، أي بنسبة 86,20 في المائة، وبذلك ضاع الطابع الاستثنائي لهذا الإذن؛

–       اتضاح حدود المكتسبات الواردة في دستور 2011، فالذي كان منتظراً من نص الفصل 19، مثلاً، هو أن يمنع المشرع العادي من تقييد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة أو من الإخلال به؛ ولذلك فإن السماح لهذا المشرع بأن يرسم إطار وحدود المساواة هو مجرد تكريس لأمر واقع كان يجب تغييره. وهناك في الدستور ما يكفي من الصيغ والمقتضيات التي تسمح للمحافظين باعتبارها أساسًا لتحجيم وتهجين مناط الحريات والحقوق، فضلاً عن كون الخصاص الديمقراطي القائم في مجال تنظيم السلط لا يسمح بضمان الحماية الكافية لما ورد في الدستور، نفسه، من حقوق وحريات؛

–       التصاعد المخيف لحالات الإجهاض السري، التي تمثل الأغلبية الساحقة من مجموع حالات الإجهاض البالغ ما بين 600 و 800 حالة، يوميًا، (حسب جمعية محاربة الإجهاض السري) والتي تؤدي إلى الوفاة، في 13 في المائة من الحالات، بسبب الظروف غير الآمنة التي كثيرًا ما يجري فيها الإجهاض السري. هذا النوع يمثل، اليوم، مشكلة حقيقية لا يساعد القانون، الجاري به العمل الآن،على حلها. يتعين، إذن، تعديل النص في اتجاه إباحة الإجهاض في بعض الحالات الخاصة، مثل الأسابيع الأولى للحمل كما يقول بذلك بعض الفقهاء،وحالات الاغتصاب وزنا المحارم وتشوه الجنين والمرض العقلي للحامل، وتأكيد اندراج الصحة العقلية ضمن مفهوم الصحة التي تسمح ضرورة المحافظة عليها باللجوء إلى الإجهاض، وإعادة النظر في المساطر، واعتماد شهادة الطبيب النفساني في تقرير إجهاض الشابات اللواتي حصل لهن حمل خارج إطار الزواج وتبين، من خلال ظروفهن الاجتماعية، وجود خطر على حياتهن أو سلامتهن نتيجة لهذا الحمل. وهذا سيمثل حلقة في مسلسل للإصلاح القانوني الذي يجب أن يتناول قضية العنف وخطة العدالة والشهادة اللفيفية والصداق والإرث…إلخ.

جريدة “المساء”

12 مارس 2015

العدد 2628 الصفحة 09