محمد الساسي

من الاتحاد الاشتراكي إلى الاتحاد الوطني

محمد الساسي

محمد الساسي

المسائية العربية  

بقلم محمد الساسي –

الغاضبون على الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي بسبب الطريقة التي يدير بها شؤون الحزب، المنضوون تحت لواء تيار الانفتاح والديمقراطية، لم يحسموا، بعد بشكل نهائي، في أمر البقاء أو الانسحاب من الحزب. اجتمعت السكرتارية الوطنية الموسعة للتيار خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، واعتبرت أن الوضع داخل الاتحاد الاشتراكي “وصل إلى النفق المسدود”، وقدَّرت أن صورة الحزب تأذت بفعل مجموعة من “الأعطاب المتكررة” التي تسبب فيها “انحراف القيادة الحالية عن الخط السياسي الذي رسمته مؤتمرات الحزب الوطنية”. لكن كل ما تقرر اتخاذه، حتى الآن، هو الدعوة إلى جمع عام موسع لأعضاء التيار، وتكوين لجنة للتواصل مع مكونات الحزب المختلفة ومع قوى اليسار من أجل “تدارس آفاق المستقبل والبدائل الممكنة”، وإعلان نوع من “العصيان البرلماني” عبر قطع صلة البرلمانيين المقربين من التيار بالكاتب الأول للحزب ورئيس الفريق النيابي، والاستمرار في الاشتغال وأداء أدوارهم كمجموعة برلمانية فعلية.


فرضية مغادرة سفينة الاتحاد الاشتراكي، للالتحاق بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية أو تأسيس حزب جديد، لازالت مطروحة بحدة والقناعة باستحالة التعايش مع القيادة التي يرأسها إدريس لشكر تتقوى يومًا بعد يوم.

الانضمام إلى الاتحاد الوطني يتطلب تدبير عدة تعقيدات متعلقة بالوضع القانوني للحزب والوضع القانوني لبرلمانيي الاتحاد الاشتراكي الذين سيختارون الالتحاق بالاتحاد الوطني. هذا الحزب يعرف بعض النزاعات القانونية بين أجنحته، وقد تتفاقم هذه النزاعات بفعل الآفاق التي ستفتحها عملية إحياء الحزب ودورها في تغذية المطامح الشخصية لعدد من أعضائه “الأصليين”؛ كما أن استقبال هجرة جماعية تضم أضعاف ما للحزب من أعضاء والانتقال من خط عدم المشاركة الانتخابية إلى خط المشاركة يتطلبان، من الناحية النظرية، قراراً من المؤتمر. والبرلمانيون المقربون من تيار (الانفتاح والديمقراطية) سيجدون أنفسهم ملاحقين بسياط الفصل 61 من الدستور الذي ينص على ما يلي : “يُجَرَّدُ من صفة عضو في أحد المجلسين، كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها”. وسيكون على هؤلاء البرلمانيين الامتناع عن إصدار أي موقف أو قرار علني يفيد، بكل وضوح، التخلي عن الانتماء إلى الاتحاد الاشتراكي أو عن الانتماء إلى أحد فريقيه، ولا يمكنهم مواصلة عملهم البرلماني كمستقلين لأن الدستور لا يتناول في الفصل 61 قضية تغيير الانتماء بل يتناول، أيضًا، قضية التخلي عن الانتماء حتى ولو ظل المعني بالأمر بدون انتماء جديد. مشكلة تدبير هذا الوضع المعقد، الذي سيُوجد عليه البرلمانيون الغاضبون، ستمتد، ربما، إلى حين حلول أجل الانتخابات الجماعية المقبلة ما لم يلجؤوا، قبل ذلك، إلى تقديم استقالاتهم. من المستبعد أن يتم انتظار موعد الانتخابات التشريعية، لأن هذه الأخيرة يتم التحضير لها من خلال الانتخابات الجماعية، وهذا هو السر في انفجار الأزمة الاتحادية الحالية قبل موعد الانتخابات التشريعية بسنتين. هناك تقدير بأن إفساح المجال أمام الكتابة الأولى للانفراد بتدبير المشاركة الحزبية في الانتخابات الجماعية المقبلة، بالشكل الذي تريده، سيمنحها الفرصة لتقليص حظوظ خصومها داخل الحزب للفوز في الانتخابات التشريعيـة حتى وإن منحتهم تزكيات الترشيـح للبرلمان. لقد جـرت العادة على أن من يريد -داخل حزب معين- الترشح في الانتخابات التشريعية يسعى، أولاً، إلى ضمان ترشحه، وترشح الموالين له، في الانتخابات الجماعية، وإلى ضمان المساهمة في تسيير الجماعة، إذ بذلك يوفر لنفسه أوفر حظوظ الفوز في الانتخابات التشريعية وتأبيد حالة هذا الفوز.

الأزمة الحالية التي يعيشها الاتحاد الاشتراكي ناجمة عن وجود خلاف أساسي متعلق بمكانة الحزب ودوره وعلاقته بمختلف المؤسسات الحزبية والعامة وطرق التسيير الداخلي فيه، ولكنها ناجمة، أيضًا، عن أسباب لها علاقة بالانتخابات. العقلية التي يُدَار بها الحزب، اليوم، قد تصنع كل شيء كي لا تتكرر تجربة وجود فريق برلماني “غير منصاع” في نظرها، والأعيان المنحدرون من الأحزاب الإدارية جاهزون دائماً للترشيح باسم الحزب وتعويض “الخصاص” الناجم عن عدم تجديد ترشيح المنتخبين الاتحاديين السابقين.

إن فكرة بعث الروح من جديد في جسد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية تعفي أصحابها من الخضوع للمسطرة المعقدة، نسبياً، لتأسيس حزب جديد، وتسمح لهم بالاستثمار الإعلامي للقرابة القائمة بين اسمي الاتحاد الوطني والاتحاد الاشتراكي وبالاستثمار السياسي للقرابة التاريخية القائمة بين الحزبين وتقديم صيغة الالتحاق بالاتحاد الوطني كنوع من “العودة إلى الأصل” وكمناسبة لإعادة إحياء الأجواء التي تَمَّ، في ظلها، تأسيس هذا الاتحاد باعتباره تجمعا وطنيا وشعبياً واسعًا دخلت الحياة السياسية المغربية من خلاله مرحلة جديدة، وباعتباره أداة عملية للحفاظ على النفس التحرري وتجديده. إن إعطاء الخطوة، التي قد يقدم عليها أعضاء تيار الانفتاح والديمقراطية، هذا المعنى، سيدفعهم إلى العمل على ضم خمس فئات إلى هذه الخطوة، وهي فئة الاتحاديين الغاضبين الذين جمدوا نشاطهم داخل الحزب ولم يغادروه، وفئة الاتحاديين الذين غادروا الحزب ولم يؤسسوا إطارًا جديدًا أو لم ينضموا إلى إطار موجود، وفئة الاتحاديين الذين أسسوا أحزاباً أو انضموا إلى أحزاب أخرى، وفئة النشطاء البارزين العاملين في المجتمع المدني والمثقفين والشباب الحداثيين الذين ليس لهم انتماء سياسي، وفئة أعضاء الأحزاب اليسارية الأخرى الغاضبين على قيادات أحزابهم بسبب توجهاتها وأدائها وسلوكاتها.

وقد تُعطى الأسبقية لمهمة إعادة تجميع “العائلة الاتحادية”، وخاصة الرموز المنحدرة منها والعاملة اليوم ضمن فيدرالية اليسار الديمقراطي. وفي هذه الحالة، فإن الحوار معها قد يكشف، مسبقًا، عن وجود نقاط التقاء واتفاق، ولكنه قد يكشف عن وجود نقاط تباعد وتقدير مختلف.

تتمثل النقاط المرشحة لكي تكون موضوع اتفاق، حسب رأينا، في : 

– بنية التنظيم الحزبي، أي الاتفاق على إخضاعه لمساطر وآليات تضمن تعدد التيارات، مثلاً، واحترام التعاقدات ومحاسبة القادة والمراقبة “الحيادية” للانتخابات الداخلية وصياغة مواثيق شرف ومراجعة مساطر المؤتمرات ومعايير اختيار المرشحين للانتخابات أو لعضوية الحكومة…إلخ؛

– تأكيد مبدإ الاستقلالية عن جهاز الدولة ورفض تحول الحزب إلى ملحقة لحزب الأصالة والمعاصرة، مثلاً، والالتزام بالتوجهات المحددة في المؤتمرات وجعل الحزب سيد نفسه؛

– اختيار المعارضة المسؤولة والبناءة التي تقوم على تقديم البدائل وتتجنب التحامل السياسوي والشعبوية وتتقيد بالضوابط الأخلاقية في الخطاب والممارسة؛

– منح القطاعات الحزبية والمنظمات الموازية هامشاًَ مهمًا للتحرك (شبيبة- نساء..) داخل الاختيارات الكبرى للحزب، والحفاظ على استقلالية النقابات والمنظمات الجماهيرية؛

– قراءة نقدية لبعض المواقف السابقة (عدم صواب اختيار الدخول إلى حكومة 2002).
والنقاط المرشحة، ربما، لاحتمال بروز اختلاف في مقاربتها، تشمل :
– سؤال تحديد طبيعة الوضع السياسي الحالي القائم في المغرب وما يتفرع عن ذلك من مهام : هل المشكلة الدستورية حُلت في المغرب وأصبح المشكل المتبقي هو التطبيق فقط، وهل المسؤول عن عدم تنزيل الدستور هو بنكيران وحده؟ هل نعتبر الملكية البرلمانية، اليوم، مجرد أفق أم ضرورة آنية وما مضمونها بتفصيل؟ هل نعيش إعاقة تنموية وسياسية حقيقية أم إن حصيلة الإنجازات “جعلت من الإنسان المنطلق والمنتهى” وبقي، فقط، مشكل تأهيل الطبقة السياسية؟

– “حدود” ومضمون شعار استقلالية القرار الحزبي، هل يمكن أن يصل مدى الاستقلالية إلى حد نقد ما يصدر عن مركز الدولة من قرارات أم إن تقديس المجال المحفوظ يظل قائمًا رغم رفع القداسة عن شخص الملك؟
– ماهية شروط مشاركة الحزب في الحكومة أو رئاستها (انبثاق أغلبية ديمقراطية منسجمة – تغيير دستوري أو اتفاق على إدراجه كأولوية في البرنامج الحكومي)؛

– قضية قبول ترشيح الأعيان الوافدين من الأحزاب الإدارية، والموقف من التحالف مع هذه الأحزاب (في الحكومة والجماعات والبرلمان)، وكيفية التعامل مع بعض الوسائل اللانظامية المستعملة، وخاصة في الانتخابات، وطرد الحزبيين المتورطين في سوء التسيير أو استغلال النفوذ.. 

وفي جميع الأحوال، يمكن أن تُفتح مستقبلاً آفاق للتعاون بين مناضلي فيدرالية اليسار وبين أعضاء تيار الانفتاح والديمقراطية على أكثر من صعيد.
في 1975، صدر كتاب، تحت عنوان (من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي)، يضم وثائق هامة يساعد نشرُها مجتمعة على فهم سياق الانتقال المشار إليه في العنوان؛ وقد تشاء الأقدار، في حالة التحاق مجموعة كبيرة من أعضاء الاتحاد الاشتراكي بالاتحاد الوطني، أن ُينشر غدًا كتاب يوثق سياق الانتقال (من الاتحاد الاشتراكي إلى الاتحاد الوطني)!

 

اضف رد