تونس تلملم جراحها، وتنظر إلى المستقبل بكثير من التفاؤل

من قلب تونس الخضراء قوة الصمود وتحديات المرحلة الصعبة

المسائية العربية

تونس تلملم جراحها، وتنظر إلى المستقبل بكثير من التفاؤل

تونس تلملم جراحها، وتنظر إلى المستقبل بكثير من التفاؤل

ضربة موجعة هي تلك التي تلقتها مدينة تونس العاصمة عشية يوم الثلاثاء 24 نونبر الجاري، حيث استهدف الارهاب أحد أكبر الشوارع كثافة وحساسية، شارع محمد الخامس القريب من مقر وزارتي الداخلية والسياحة؛ وكانت الحصيلة ثقيلة هذه المرة ايضا، وأسفرت عن ما ﻻ يقل على 14 قتيﻻ بين صفوف رجال الأمن التونسي.

لكن تونس، وفي أقل من 3 أيام، استطاعت أن تمسح دمعتها وتضمد جرحها وتقف صامدة شامخة في وجه الإرهاب، في تحد لاعداء الوطن، لتقول أنا الامل وهو اليأس،  أنا العلم وهو الجهل، أنا التسامح وهو الحقد، أنا اليسر وهو التشديد، أنا الود وهو الكراهية،  أنا السﻻم وهو الحرب، أنا الحياة وهو الموت، أنا الإعمار وهو الخراب، أنا الحق وهو الباطل، أنا تونس وهو ﻻ شيء.

نافورة جميلة بها ساعة في كل جهة من المربع تؤكد اهتمام التونسيين بضبط الوقت واحترام المواعيد

نافورة جميلة بها ساعة في كل جهة من المربع تؤكد اهتمام التونسيين بضبط الوقت واحترام المواعيد

وبقلب العاصمة الخضراء، بشارع بورقيبة حيث تتمركز أرقى المؤسسات تتمركز التعزيزات الامنية الضرورية هنا وهناك، تغطي عليها حركة الراجلين التي ﻻ تنقطع، ذهابا وإيابا، وفي كل اتجاه، بدءا من (ساحة المكانة) حيث تتمركز نافورة جميلة بها ساعة في كل جهة من المربع تؤكد اهتمام التونسيين بضبط الوقت واحترام المواعيد؛ ثم مرورا بالبساط الأحمر الممتد على مسافة غير قصيرة وسط هذا الشارع الجميل توصل في آخرها إلى منصة مخصصة للعروض الفنية الموازية لمهرجان قرطاج السينمائي، والذي تحتضن فعالياته العديد من القاعات السينمائية المتواجدة بنفس الشارع، ومنها الكوليزي التي احتضنت عرض الفيلم المغربي (الزين اللي فيك) مساء الخميس الماضي، والذي شهد إقبالا كثيفا وردود فعل مختلفة، إلى جانب المسرح البلدي ومراكز ثقافية موازية.

وبالرغم من أن العديد من محطات النقل العمومي قد أعلنت عن تغييرات في توقيت العمل وبرامج الأسفار في الفترة المسائية، فﻻ شيء هنا يوحي بالحضر وبحالة الطوارئ وبمنع التجول، فمحطات الطرامواي تشهد (في السادسة صباحا) حركية ﻻ تتوقف، وعرباته تسجل ازدحاما يفوق طاقته اﻻستيعابية العادية، وكذلك في باقي أوقات الدروة حيث يظهر تفضيل التونسيين للنقل العمومي لتجنب اﻻختنافات المرورية من جهة ولﻻقتصاد أيضا باعتبار الثمن المنخفض كثيرا لخدمات الطرام والميترو والحافلات وأيضا سيارات الاجرة.

ثلاميذ وطلبة، عمال وموظفين، مقاهي مطاعم وباعة متجولين، الكل يعمل وبدون توقف، ورجال الأمن والمراقبة يعملون أيضا في التثبت من الهويات وتفتيش حقائب الظهر وآﻻت التصوير، وكل ما من شأنه المساهمة في حماية المدينة وساكنتها وزوارها القﻻئل، مع السؤال بكل لطف وأدب: (أﻻ تضايقك الإجراءات التالية)، وﻻ يملون بين الفينة والاخرى من تكرار السؤال مع جميل الترحاب وكامل الاحترام.

مناسبة جعلت موضوع الحريات وحقوق الصحافة تطفو على الصفح، خصوصا بعد البﻻغات الصادرة محليا عن مؤسسات إعﻻمية تشكو (المنع والقمع) الذي مورس عليها خلال أداء عملها إثر العملية اﻻرهابية الأخيرة، وتتشبت في حقها بالبحث وتلقي ونشر وتعميم المعلومة باعتبار ان الجميع معني بالقضية وشريك في المسؤولية؛ في حين توالت الردود لاعتبار هذا الموضوع ليس أولوية المرحلة، وأن على الجميع التوحد في مواجهة الإرهاب، كما طالب مسؤولوا اﻻعﻻم المرئي من مختلف القنوات عدم تقديم برامج مباشرة من مكان العملية، حماية لمسرح الجريمة وتفاديا لتقديم خدمة مجانية للمجموعات الإرهابية؛ مع التنبيه الشديد لنوعية الخطاب المستعمل والذي يظهر هفوات مؤسسات الدولة ونقائصها في مقابل إظهار قوة المحموعات اﻻرهابية وقدرتها على الضرب متى شاءت وكيف شاءت، وهو ذات الخطاب الذي يسعى اﻻرهابيون إلى نشره وتعميمه.

حوار داخلي يزيد من قوة تونس الياسمين ومن صمودها ولملمة جروحها، لكن هل سيستطيع إقناع السياح والمستثمرين، بل وفعاليات المجتمع المدني محليا ودوليا؟ وهل سيتمكن من الحفاظ على اﻻستقرار اﻻقتصادي واﻻجتماعي للمنطقة؟ ذلك ما ستكشف عنه الأيام القادمة.

عبد الرحمن مازغ