من وحي ذكريات أيام الرصاص ...
لحسن كجديحي

من وحي ذكريات أيام الرصاص …

من وحي ذكريات أيام الرصاص ...

لحسن كجديحي

                                                                                                               لحسن كجديحي

…بقايا أثر التعذيب هي ذاكرة التفاصيل، والبقع الثقيلة في هذه الصورة الصدئة هي ما تخثر من دم الجروح وأورام الهراوات وشروخ السياط، من قسوتها سكنت في صميم الفؤاد، من هولها يعمد الذهن إلى نسيان التفاصيل كيلا يقلب في المواجع، والمواجع طبقات فوق طبقات.. قد وصلت بي المواجع إلى حد استعذاب الألم، حيث أشعر الآن أن ذاكرتي – ذاكرتنا جميعا – أهم من إذلال النفس في سبيل إراحة الجسد بنسيان وقائع التعذيب، حتى لا يتجدد الألم.. الآن أقول: فليتجدد، أهلا به، سأنزع من لحم الجروح شرائح الألم، بأصابعي لا بأصابع الطبيب، سأفعص الدمامل وأزيح أم القيح.

مع ذلك مشينا في هرولة همجية، مِسْوَقَةُ الخوف فوق ظهورنا كأننا حمير السباخ، الطريق مقلقل يشرخ الأقدام، الجو خانق رغم انطفاء وجه الشمس، أنهار من عرق ودموع وغبار، عجينة أغلقت العيون وليَّستها مثل مرهم عيون الأطفال.. تمر السنون ونحن مستمرين في المشي، لا ندري إن كانت معالم الطريق والأراضي كلها متشابهة إلى حد التطابق لدرجة أننا لا نرى أي جديد يثبت أننا نتحرك بالفعل، أم أننا في حقيقة الأمر نتحرك في مطارحنا دون أن نتقدم خطوة واحدة على امتداد زمن يبدو موغلا في القدم.. الشيء الوحيد الذي يتغير هو أبداننا التي يصيبها الوهن والشيخوخة وصنوف من أمراض مجهولة تقصف الأعمار، أغلب الظن أنها أمراض إرادية يزرعها البني آدم منا في نفسه ويغذيها حتى تنمو وتأكل جسده على مهل، حتى تخلص روحه من أسرها في جسد مهان منحط، لا يستحق أن تضحي الروح في سبيله بأكثر مما في طوقها من قدرة على احتمال العذاب، وهكذا ما يكاد الواحد منا يدوخ حتى يتهاوى مسلما جسده لمفرمة أقدام الطابور التي تصلبت وصارت كالفؤوس الحديد. طابور الذل بدأ بأن هطل الضرب فوق أبداننا من كل ناحية مع صيحة مدوية: اجمع! اجمع أنت وهو يا ابن الـ….! اجمع ،اجمع ،اجمع والضرب يمزقنا، فهمنا من رطانة الشاف والمفتش ومن بلبلة الكاتب وغطرسة السبايسي وشخطه ونطره ومن هرولة الخونة وارتياعهم، أن سرَّ هذا الزلزال هو     -وصفة – أن أسيادنا قد تغيروا.. نعم هذا ما صرت متأكدا منه الآن.. قالوا لنا بالواضح إن إدارة أسيادنا الجدد قد طلبت أن ترانا لتعيد حصرنا وتفيئتنا من جديد على أجور جديدة، وكان الغضب العارم الشرير يغلى في صدور من يسوقوننا فيدلقونه فوق أبداننا، فيتضح لنا تلقائيًا أن السيادة الجديدة ربما تكون عازمة على تغييرهم ولربما زجوا بمعظمهم في السجون، نتيجة ما سوف يكتشفونه لا محالة من اختلاسات وتدليسات وخيانات وفساد ذمم وفجور، مما كنا نسمع عنه طوال السنين الفائتة بل ونراه بأعيننا كل يوم ثم نتجاهله على أساس أن الساقة من أمثالنا لم يعد يلفت نظرهم ولا يزعجهم حين يروا كبار مسؤوليهم يسرقون وينهبون عيني عينك، وكأن ذلك من حقهم، ومن طبائع الأمور في هذه الوسية التي لم يعد لها أو لنا ثمة من صاحب.

الوجع في ظهري نبتت له أظفار، جعلت تنخسني في قفاي وجنبي.. النغزات أرعشت بدني، سرعان ما فطنت إلى المنديل المخملي، الذي أصُرُّ فيه طعامي: رغيفين من رغفان الشعير مشقوقين، مع زرّين من البطاطا المَحدَّق الذي ندلعه ونسميه بالشواء المملح، مع فحل بصل، مع باذنجانة مسروقة من غيط الوسية، متورمة كالذنب الذي لا يغتفر، تغمص بالي، يشغلني همُّ التفكير في كيفية أكلها، دون أن يلحظني أحد من الأنفار فيشي بي في الحال، حتى دون أن يفتح فمه بالكلام، لأن الفضيحة في الطابور – برغم الظلام – تعلن عن نفسها في سهولة من شدة ارتباك المحيطين بها، وخوفهم من أن سكوتهم عنها يعني أنهم مشاركون فيها بالصمت المتواطئ.. الخبز في منديلي المخملي قد نشف وتصلب، انهالت فوقه طرائح من العصي والهراوات ، صار فتاتا مدببا يخزني بقسوة كلسعة البقّة كلما عدلت جسدي من عثرة وما أكثر العثرات! لست أذكر أن أرجلنا توقفت عن حركة السير مطلقا، وإن كنا مع ذلك لم نعد نعرف لنا ثمة من وجهة محددة، كذلك لا نعرف كم من الطريق قطعنا، ولا كم من المسافة والآماد سوف نمشيها إليها، طول الليل وحلكته العميقة الدامسة هما الحقيقة الوحيدة التي ندركها وتدركنا.. صورة صدئة من ذكريات باهتة، أراها الآن ملقاة وسط حطام من ذكريات ميتة على هيئة ناس يبدو أنهم كانوا ذات يوم يمتون إلي بصلة قربى وثيقة، لعلهم من إخوتي وأصدقائي ورفاقي، أشلاء مشوهة، لعلها بقايا أهالينا الذين تساقطوا من الطابور منذ أزمنة سالفة، ولم نكن نستطيع أن نفعل لهم أي شيء سوى أن تدوس فوقهم غابة من الأقدام الضالة، همجية الماغول في مكينة المشي، ثم نسيت أنها تمشى مثلما نسيت حتى ذواتها وأسماءها، وصار الواحد منهم ممثلاً للكل، الواحد منهم في مقام مغرفة من حلة حساء تكفي للتعرف على كل الحساء.. بات هدفنا الأوحد في الحياة أن نمشي، نمشي فحسب، ولكن إلى أين؟ ومن ذا الذي حكم علينا بالسير في هذا الطابور، الذي لا أول له ولا آخر وسط هذا الظلام الكثيف؟ فحتى هذا لم نعد نذكره، أو ربما اقتنع الجميع بعدم جدوى التذكر..

 

وسوف يتكشف من خلال هذه المقاربة التاريخية المؤلمة أن مفهوم الحرية الذي نروم تحقيقه لم يكن أبدا مفهوما ثابتا جامدا يمكن استخدامه للقياس في كل زمان وفي كل مكان، ولكل جماعة إنسانية. وسوف نكتشف أيضا أن المفهوم نفسه كان يتطور تاريخيا مع تطور الفكر الاجتماعي السياسي من ناحية، ومع تطور الممارسات الاجتماعية/ السياسية على أرض الواقع من ناحية أخرى. وهو ما أدى إلى حقيقة مهمة مؤداها أنه لم يعد مقبولا اليوم قياس الحرية بعيدا عن الحقوق الأساسية للفرد والجماعة، بمعنى أننا لا يمكن أن نتحدث، مثلا، عن الحرية في ظل الاستبداد السياسي، أو الخلل الاجتماعي الناتج عن سوء توزيع الثروة و تمكين فئة بعينها من نهب موارد المجتمع كله، وما يقترن بذلك حتما من الارتباك والخلل في النظام القيمي والأخلاقي للمجتمع. فالاستبداد السياسي بطبيعته عائق أساسي في طريق التقدم لسبب بسيط يقترب من البداهة: إن الجماعة الإنسانية محرومة من حقوقها الأساسية لمصلحة فرد واحد أو جماعة واحدة. ولأن الخوف والظلم من لوازم الاستبداد، فإن المجتمع الذي يكبله الخوف ويرهقه الظلم لا يبدع ولا ينتج: أي أنهم لا يتقدمون بل إنهم يتراجعون للخلف في غالب الأحوال.

الواضح أننا في حالة نوم كأنه الصحو، وفى صحو كأنه النوم.. لا نذكر أن شمساً قد طلعت فأضاءت نهارا، ثم أخذته واختفت به في جنح الليل.

 

اضف رد