موضوعة الزمن في رواية حسن أوريد ” سيرة حمار”

المسائية العربية :

عبد الرحيم الضاقية:

    أصدر الباحث المغربي حسن أوريد رواية بعنوان (( سيرة حمار)) ، ويبدو للوهلة الأولى أن العنوان مثير حقا خصوصا عند استحضار قيمة وموقع صاحب الرواية على صعيد الرأي العام بحكم المواقع التي احتلها في تدبير الشأن العام وكذا المشهد الثقافي الوطني . إذن فالعنوان كان فعلا مثيرا مما سوف يؤثر على أفق انتظار القراء . ورغم عدم تخصصنا في النقد الأدبي فإن قراءة الرواية أوحت لنا بكتابة هذه الملاحظات الأولية والتي ستسهم لا محالة في النقاش الذي بدأ فعلا حول الرواية . وقد اخترنا أن نعالج موضوعة الزمن فيها بحكم الإحالات والمرجعيات التي أمكننا فتح نقاش أولي معها . فما طبيعة زمن رواية سيرة حمار ؟ ثم ما أشكال الحواضن الزمنية التي تشتغل داخلها ؟ ثم هل من قراءات أولية لرمزيته المفترضة ؟

  1. ملاحظات أولية :

  • يحيط بقراءة نصوص أوريد تهيب خاص نظرا لرحابة أفق الباحث وشساعة اهتماماته ، إضافة إلى التزامه المستميت بقضايا بعينها ضمن محفل الثقافة المغربية والتي دافع عنها من مواقع مختلفة .

  • يعد العنوان عتبة أساسية لقراءة مفترضة للعمل الإبداعي ، وهنا يدعونا أوريد  للدخول إلى عالمه الروائي من باب سيرة حيوان أليف اختلط وجوده   بالمخيال الشعبي المغربي في الحاضرة والبادية على حد سواء . كما أن  لفظة ” حمار” لها من الحمولات  الثقيلة ضمن السلم القيمي والأخلاقي عندنا.

  • يثير في العمل كذلك زمن انجازه الذي لايتعدى 10 أيام ( 25 غشت إلى 3 شتنبر 2013) يعني أن نفس الكتابة فيه كان قصيرا و كثيفا ولا يتيح ترك تفاصيل عالقة بحكم القرب ألإنجازي للنص . وفي إحدى اللقاءات صرح أوريد أن الرواية كتبت في أسبوع فقط  لكن مخاضها كان على مدى 20 سنة . إذن ففرضية تكثيف النص واردة بشكل جلي .

  • يثير في النص الروائي لغته المتميزة والمتساوقة مع المحكي ، حيث نلاحظ تحولا جينيا للغة الكاتب والتي استطاع بواسطتها إفراز صور وإيحاءات عميقة تحمل القارئ إلى عوالم عجائبية تارة وواقعية ثارة أخرى .

  • على مستوى إحالات النص الداخلية والخارجية تنم عن اتساع أفق الكاتب الثقافي حيث نجد التاريخ والانتروبولوجيا والملحمة والشعر والقصة القصيرة … إن النص يعتبر ملتقى لل”ثقافة”  بمعناها الأنجلوسكسوني الذي يحيل على الثراث الإنساني برمته .

  • إن توظيف التاريخ بشكل جيد أتاح للنص المراوحة بين الماضي والحاضر والمستقبل بشكل بنى به ما يسميه عبد الله العروي ((القاعدة المطردة )) . التي تمكن من التفسير والإحالة على  النموذج الأعلى بواسطة أحداث تستعمل كذرائع  تقاس عليها الوقائع الراهنة الغير مفصح عنها .

  1. زمن حاضن :

عند البحث في زمن الرواية لا نجد عناء في ذلك فمنذ السطور الأولى يفصح عنه الكاتب ، حيث يضعه في العصر الروماني في إطارما عرف بإقليم موريطانيا الطنجية . هذا الاختيار الزمني ضمن خطاطة تاريخ المغرب يتيح للمتتبع وضع الأحداث في مرحلة ما قبل الفتح الإسلامي الذي يعده أوريد في تحليلاته السابقة مؤشرا عن تحولات مجتمعية وثقافية عميقة . كما أن هذه المرحلة الما قبل – إسلامية تتيح للمحكي أن يتخلص من كثير من القيود القيمية والدينية التي تجعله يوضع ضمن إطار حدود طقوسية معينة . يتعزز هذا الإطار الزمني بشبكة من أسماء الأماكن التي تحيل على المرحلة . ولعل توظيف الطوبونيميا القديمة لها من الإيماءات ما يعطي الانطباع  على إرادة  لإعادة الأصل إلى أصله وإزالة اللحن والتشويه عن زمن ومكان معين عبر الوسم، بلغة  جاك ديـريدا. ولعل المكان المحوري في الرواية هو مدينة (( أليلي )) بالعربية وليلي التي لها دلالات خاصة باعتبارها منطلق ما قد يسمى الدولة المغربية بتأسيس مملكة الأدارسة . كما ل”أ ليلي ” الذي هو نبات الدفلة  إحالات ثقافية عميقة في المخيال الشعبي المغربي باعتبار التناقض الحاصل بين الظاهر (( نوار الدفلة / الجمال)) والباطن (( المرورة المفرطة / المرارة)) . من خلال هذا الزمن الحاضن الذي يساوق هذا التحليل باعتبار زمن الرواية المتعدد  والذي يراوح بين الظاهر المحكي والباطن المحال عليه . يؤكد الباحث الانتروبولوجي جلبير دوران في كتابه “البنيات الأنتروبولوجية للمخيال ” أن طريقة تقطيع الزمن وبنائه ترتبط   بنمط  بناء الإيقاع البيولوجي الحقيقي سواء لدى الإنسان والحيوان وهذا الأمر يمكن من بناء المراحل والدورات ومن ثم إلى صنع ما يمكن تسميته عجلة الزمن . ونجد أن محكي أوريد الذي يخلط بين الكينونة البشرية والحيوانية ( أذربال / أسنوس ) يتجاوب كثيرا مع هذا التحليل بوصف تقطيع الأحداث والمراحل يتم بفواصل بيولوجية نزوية تستعصي عن المنطق السطحي .

  1. زمن متحرك :

يمكن العثور ضمن إنتاجية أوريد (( سيرة حمار )) على زمن آخر دينامي كسائر الأزمان يتشكل من وقائع وأحداث قد تكون متسلسلة أو مشحونة بإحالات مقصودة إلى زمن حقيقي أو مفترض . ضمن هذا المستوى لابد للقارئ من فتح أقواس ضمن النص ليتمكن من الربط  والتفكيك الذي  يشكل أمل ورغبة الكاتب المعبر عنها أو المضمرة. ويبدو لنا أن من سمات هذا الزمن المتحرك  طبيعته المتقطعة : حيث أن المحكي يتخذ شكل لوحات بريدية محبوكة تدور حول موضوعة معينة تحمل الكثير من الرموز وتؤثثها شخوص بعضها في موقع الضوء الروائي وبعضها ضمن الظل المؤثر. هذه اللوحات  السبع تعلن بداياتها الخاصة والتي تخدم المحكي بشكل يجعل القارئ لايبارح القراءة حتى النهاية . ولعل هذا التقسيم يناسب النفس الزمني اليومي للكتابة الحقيقية حسب تصريح الكاتب في اللقاء المشار إليه أعلاه .

يظهر لنا أن الزمن في الرواية يتم تعينه أو إضماره أو الإحالة عليه ضمن مؤشرات ، فالليل بالنسبة للمحكي يحيل على الظلام والمبهم والسرقة والاختلاس، وكذا لحظات العذاب الذي تكبده أسنوس في العديد من المحطات التي يبقى فيها وحيدا يواجه العزلة والألم . كما أن فترة الليل تمثل كذلك فضاء للحلم واستدعاء اللاوعي لترتيب المحطات اللاحقة أو للعودة للذات من أجل المحاسبة وإعادة التوازن . كما أن الليل بالنسبة لعقل المحكي عنه والذي لم يتحول مثل جسمه هو مساحة للشجن والزمن السلس والعبور .

أما المساء والمعبر عنه تارة بالأصيل أو ما قبل الأصيل فهو موسوم في الرواية بعبور نحو اللذة والحبور والاستعداد لخوض غمار تجارب مؤسسة في مصير المحكي عنه . لعل المساء في ((سيرة حمار)) لحظة مفصلية يتقرر فيه مصيره ويتذكر فيها شريط حياته الإنسانية والحيوانية كما يطرح فيها الأسئلة الوجودية الكبرى . ورغم إحالته في بعض الأحيان ضمن هذا التقطيع الزمني على الغروب الذي هو سقوط ونهاية واندثار فإن الغالب على هذه اللحظة هو الانفتاح نحو الايجابي والجميل .

يشكل الصباح لحظة متساوقة مع المخيال الجماعي الذي يعتبره بداية وخروج من العتمة ، ذلك أن تسمياته تتراوح بين الفجر والضحى والصباح الباكر. وهي كلها تستدعي مضامين الولادة والانبجاس وفي الأمازيغية (( إفو)) أي أمتد نوره . ففي لحظة الصباح تمت الولادة الجديدة ، وهي نفسها التي شهدت المسخ حين عرت أشعة الشمس صورة دابة وهي تدنس قاعة الضيوف الفاخرة .إن لحظة الصباح شكلت في نهاية الرواية لحظة التطهير النهائي عبر عين الماء المتدفقة والتي تشكل بداية المسار والسيرة المعكوسة .

تذكر الرواية كذلك لحظات زمنية أخرى كالفصول  حيث تربط فصل الشتاء بالمعانات والبرد القارص والشح  ، وفصل الصيف بالإنتاج والحرارة المناخية والعاطفية . كما أن إيقاع هذه القطائع من الزمن يتحكم فيها الراوي حسب الموضوع من خلال التغيير الفجائي أو السرعة عند بعض الأحداث أو بطئ في الإيقاع عندما يتعلق الأمر بالتأمل أو التفكير .

  1. زمن افتراضي / هلامي :

إنه في نظرنا مركز اهتمام الرواية وغايتها الحقيقية ، إنه زمن متميز بالبطء  يمكن قراءته من خلال أطروحة المؤرخ فيرنان بروديل  حول تاريخ البحر المتوسط باعتباره بحيرة لقاء حضاري بين الشمال والجنوب . وهو يقسم التاريخ إلى مدد  : قصيرة ومتوسطة وطويلة . ومن خلال ما يسميه بروديل بالزمنية الطويلة التي تحيل على المدة وكذلك على الوثيرة يبني النموذج . لذا فإن المشتغل بالمدة الطويلة يفضل العقلاني على الواقعي أي غير المرئي على المرئي وغير الإرادي على الإرادي، إنه يهتم بالأعماق .ولعل البعد الزمني الذي يجد فيه النص ضالته هو هذا الزمن الهلامي المتداعي وهو زمن محال عليه في الفكر والأثر. وتستهلكه  الرواية  بمتعة عبر إدماج الراوي في السيرة أي ضمن مسيرة حياة بأبعادها المتعددة .والأمثلة على ذلك كثيرة في النص  مثلا حين يتحدث الحمار قائلا((أفلا نشترك والإنسان في أمور عدة ؟ بل ليس الإنسان حيوان من نوع خاص . فما يميزه عن الحيوان هو التفكير ، وقلة من الناس هي التي تفكر …ولعلي إن كنت حيواني المظهر ، فكثير من الناس حيوانيو المخبر …)) – ص 42 أو (( الناس تمر على الأشياء دون ا، تلاحظ شيئا . الناس تحسب الحقيقة جامدة ، تلقن أو تحفظ .. الحقيقة اكتشاف دائم ، هي مدى مطابقة فكرة للواقع .. في مساجلات سقراط ، يحسب الناس الحقيقة ما سمعوا أو لقنوا، فإذا أعملوا عقلهم ألفوا أن ما يعتقدون ليس الحقيقة.))- ص 73 . ورغم صعوبة تصنيف هذا الزمن . قد يبدوا لنا تقسيمه منهجيا إلى :

  • زمن مرجعي : وهو زمن أحداث ووقائع فكرية وأفكار فلاسفة ومفكرين من اليونان أو الرومان أو الأمازيغ أو تراثا متوارثا ،قد يحضر بالتصريح أو بالتضمين . بل يمكن أن نعتبر الرواية كلها مؤطرة بهذا الزمن المرجعي الذي يمتح منه الكاتب الصور والرموز والإيحاءات.

  • زمن راهن : وهو زمن النقاش المجتمعي الحالي الذي تحيل عليه صور وأحداث الرواية . لقد تم تخفيض حرارته الراهنة بتعويمه / تطهيره بالزمن والمكان التاريخيين في موريطانيا الطنجية على عهد الرومان .

  • زمن مشروع : إنه الحلم ، الفجر الجديد ، ما يجب أن يكون … يتبدى على شكل صور ولقطات يعرضها الكاتب على شكل إيماءات مغلفة بالوقائع الصغرى أو الكبرى للسيرة ،إنه يمررها عبر قنوات متعددة توجه الكلمات نحو الأشياء .

يفرض المقام والمقال الخلوص من هذه الملاحظات الأولية حول هذا النص الروائي المكثف من خلال الوقوف على أهمية موضوعة الزمن التي تشبكه وتجعل القارئ مؤطرا وموجها . ولا عجب إذن أن نجد أولى كلمات الرواية هي (( الطفولة )) وآخرها هي (( فجر جديد )) . كما أن السيرة برمتها ماهي إلا حلم / كابوس طويل استهلك زمنا ليليا حقيقيا أومفترضا : بدأ  ذات ليلة بعد شرب الشراب المحول ( ص20) وانتهى قبيل الفجر عند عين ماء (ص 117). فكان إذن هذا الحلم هو الذي أعطى الرواية  غرائبيتها وكثافتها . تبقى الإشارة إلى دعوة النقاد والباحثين إلى الانكباب على هذا العمل من زوايا نظر أخرى كاللغة وإيحاءات والأقواس التي تفتحها في الذات والآخر..

(*) مفتش التعليم الثانوي .

مــراجــع

 

  • أوريد ، ح، 2014 ، سيرة حمار ، دار الأمان ، الرباط .

  • العروي ، ع ، 1992، مفهوم التاريخ ، ج 1 و2 ،الدار البيضاء .

  • Braudel,1996 , Ecrits sur l’histoire , Flammarion .

  • Derrida ,j ,1993 , sauf le  .,Galilée ,

  • Durand , g , 1993, Structures  anthropologique de l’imaginaire ,Dunod .

  • Ricœur p , 1991 ,Temps et récit- T 1 ,Seuil .