مَن يَحمِـــي القضَــــاءَ اليَــــــوم…؟؟

المسائية العربية

النقيب عبد الرحيم الجامعي

 استوقفتني الدهشة، في زمن السلطة القضائية المستقلة وعند بداية فترة فك ارتباط وزارة العدل مع القضاة ومع مهامهم و اختصاصهم ومع وظيفتهم، القرار المخيف من طينة القرارات القديمة التي تم الإعلان عنه، وهو قرار لجنة من وزارة العدل اعطت لنفسها صلاحية تتبع القضايا العقارية المعروضة على المحاكم الابتدائية والاستينافية وحتى تلك المعروضة على محكمة النفض دون أن يعلم أحد لا مكوناتها ولا حدود اختصاصاتها وأسباب وجودها .

فكيف خلقت وكيف أعطت هاته اللجنة لنفسها صلاحيات لا حق لها فيها لا دستوريا ولا تشريعيا ولا تنظيميا، و كيف سمحت لنفسها جهرا وأمام الرأي العام من القضاة والمحامين والقانونيين والسياسيين والإعلاميين وغيرهم أن تعلن بأنها قررت تتبع ملفات العقارات التي تعود للمغاربة وللأجانب و التي هي اليوم معروضة على المحاكم وبين يدي القضاة ؟؟ ولماذا لم تهتم كذلك بآلاف الملفات الجنائية والإدارية والتجارية وبسوء تدبير العديد منها وبالمظالم التي يعاني منها المتقاضون امام القضاء الجنائي عاى الخصوص وبالمآسي التي تتسبب فيها مساطر الاعتقال الاحتياطي في العديد من الحالات والتي تخبط بعشوائية قرينة البراءة والمحاكمة العادلة وقيمة الحرية.؟؟

إن الإقدام على مثل هذا الموقف من قبل السلطة التنفيذية ولجنتها الوزارية من داخل وزارة العدل، هو تدخل في القضاء وفي القضايا التي يعالجها القضاة، وهو مساس باستقلاله، وهو تأثير على القضاة وضغط على معنوياتهم واستقلالهم ، وهو بمثابة انتفاضة سياسية ضد القضاء وضد السلطة القضائية وايحاء و توجيه غير مشروع للحكم في قضايا العقار طبقا لتعليمات وطبقا لقرارات خارج اطار المداولات القانونية الحرة المحايدة والسليمة وبما يرضي السلطة التنفيذية ويحقق اغراضها.

 اختارت اللجنة من وزارة العدل هذا التوجه غير المسموح به دستوريا ضد القضاء واختارت الاستقواء الإداري على قضاته وقاضياته، في لحظة لا زالت فيها الإعلان عن قيام السلطة القضائية في اسبوع ميلادها الأول حيث لم تكتشف بعد ذاتها ولم تستقر بعد في مقرها، ولم تتعرف بعد على صلاحياتها، ولم تحدد بعد منهجية عملها، ولم تسطر بعد حدود علاقاتها مع باقي السلط سواء التشريعية او التنفيذية، وقد كان من الأحرى أن تعلن اللجنة المذكورة حيادها وأن تنسحب من مجال ليس مجالها وأن لا  تسلب من القضاء  اختصاصه في تتبع الملفات والحسم فيه و الذي لا يمكن لأية لجنة  مراقبة ملفاته ومراقبة احكامه.

 

 فهل اختيارت السلطة التنفيذية ملفات العقار المعروضة على المحاكم كمحور لتدخلها بسبب الاعتداءات على حق الملكية للمواطنين أومن أجل حماية هذا الحق الدستوري، أم أن وراء الحملة التي تقودها لجنة وزارة العدل ما وراءها  من أسباب أخرى غير مكشوفة، نخاف أن يكون خلفها نفوذ وقوة وضغط المتلاعبين بالتجزءات وبرخص البناء وبالاستثناءات وبالامتيازات وبالتفويتات لأملاك الدولة ضدا على المشروعية، و للالتباس في عمليات نزع الملكية احيانا من دون توفر حالة المنفعة العامة… وهي كلها تلاعبات تتم امام المرافق الإدارية ومن مسؤولية  الإدارة الترابية والمختصة في مجالات السكنى والتعمير وغيرهما.

 

ومهما كانت الأسباب والنوايا والخلفيات، فإن الأمر يمنع تدخل السلطة التنفيذية في صلاحيات القضاء وفي الملفات المعروضة على القضاة سواء عقارية او تجارية او جنائية، لأنها ملفات تتعلق بحقوق كل الاطراف ، للقضاء وحده مسؤولية البث فيها بمعيار القانون والمساواة واحترام حقوق الدفاع دون تدخل مباشر او غير مباشر او ضغط مادي او معنوي على مشاعر ومعنويات ومحيط القضاة والمحاكم،  خصوصا وأن تاريخ التدخل في القضاء من قبل السلطة التنفيذية والسياسية تاريخ مهول ومؤلم واسود لا ينبغي أن تمارسه الدولة من جديد تحت اية ذريعة وكيفما كان السبب.

إن السلطة القضائية الجديدة اليوم أمام أول تجربة سياسية ومؤسساتية وقضائية  وأول مواجهة مع الدولة لقياس صلابة دفاعها عن استقلال القضاء ومنع اية رقابة عليه وعلى اشغاله من قبل جهة لا يحق لها القيام بأية رقابة عليه،  واعتقد بان الغضب سيدفع الرئيس المنتدب للسلطة القضائية و أعضاء وعضوات المجلس الأعلى الذين تولوا مسؤولية حماية استقلال القضاء من كل تدخل او شبه تدخل وأدوا اليمين على ذلك، فعليهم أن يعبروا عن غضبهم بمواقف واضحة ويعلنوها على العموم و للرأي العام، حتى يعرف الجميع مدى وضوح مواقفهم اتجاه ما يهدد استقلال القضاء، واعتقد كذلك بأنهم أمام موقفين فإما أن يعترضوا ويمنعوا التدخل في القضايا الرائجة امام المحاكم وأمام محكمة النقض نفسها ويطالبوا اللجنة المعنية بالكف عن الاشتغال في موضوع لا يهمها، أو أن يصمتوا ويخضعوا  للأمر الواقع ويرضوا ببقاء وزارة العدل جهزا مهيمنا على المحاكم وعلى القضاة ضدا على الدستور وعلى المشروعية وعلى إرادة مواطنين و أن يكفوا ويكف الجميع عن الحديث عن  باستقلال القضاء والتمشدق بمستجدات الدستور لأن الموضوع كله خيال و خرافة نمني بها النفس كذبا ونفاقا..

 

ومن هنا على القضاة بواسطة هيئآتهم وعلى رأسها المجلس الأعلى للسلطة القضائية ومعه جمعياتهم ونواديهم ، ان يتحلوا باليقظة وبالصلابة وبالجرأة و أن لا يعيروا اي اهتمام لمحاولات السلطة التنفيذية أو لنفوذ الدولة كيفما كانت طبيعة تلك المحاولات التي من شانها التأثير عليهم وتوجيههم، لان التخوف وارد، إذ حتى داخل المحاكم بدأت تروج وتمارس بعض التصرفات في القضايا العقارية المدنية أو الجنائية، ومنها الترويج لقصة تتبع لجنة خاصة من وزارة العدل لجلسات القضاة وتتبع عدد القضايا التي تدرج بها وتلك التي تسجل وتلك التي تناقش وتلك التي تحكم أوالتي تؤجل، وهذا الأمر  دليل على أن السلطة التنفيذية مدت يدها طويلا داخل المحاكم رغم أنف رؤسائها الذين يسهلون الامر بكل اسف على الوزارة ويقبلون الطاعة لرغباتها وهم يدركون أن للملفات مسؤول واحد وهم القضاة وأن من يراقبهم هم قضاة الدرجات الأعلى ويدركون أن وزارة العدل طرف أجنبي عن المحاكم وعن قضاتها وعن احكامه، وأن مسالة التفتيش مسالة معقدة حتى على المجلس الأعلى للسلطة القضائية لكن التفتيش لا يعني ابدا السلطة التنفيذية وليس من اختصاصاتها بل يعني المجلس الاعلى في اطار الدستور والقوانين التنظيمية ذات الصلة….

 

قبل اسابيع وعقب طرح مشروع قانون من قبل السلطة التنفيذية بفرنسا يسمح برقابة على محكمة النقض كان الجواب في اللحطة نفسها حيث وجه الرئيس الاول LOUVEL والوكيل العام بمحكمة النقض MARIN رسالة استفسار لرئيس الحكومة CAZNEUVE يحتجون فيها على التدخل الدولة في رقابة محكمة النقض ويرفضونه ، وقبل اسابيع كذلك انتفض القضاة بفرنسا ضد وزير العدل URVOAS بسبب وعد قَــدمه لرجال الأمن وعدهم فيه بتبليغهم الاحصائيات الجنائية للقضايا المعروضة على المحاكم واعتبروا بان الأمر فيه تحامل السلطة السياسية ومعها السلطة الأمنية على القضاة وعلى عملهم وصلاحياتهم.

فهل سيوجه رئيس محكمة النقض بالمغرب والوكيل العام بنفس المحكمة رسالة استفسار لوزارة العدل بالحكومة المغربية حول تأسيس اللجنة وحول ما تزعم القيام به ؟؟ ربما سيقومان بما تفرضه عليهما وظيفتهما والمستقبل هو من سيعطينا الجواب.

ويبقى في النهاية أنه بعد أكثر من خمس سنوات من انتظار تنزيل مقتضيات الدستور بخصوص السلطة القضائية، لا يُقبل بعد تعيينها وإعلان اسماء اعضائها أن تتلقى اول صفعة من السلطة التنفيذية ، ولا يقبل من السلطة التنفيذية أن تدوس استقلال القضاء وحرمة كرامة القضاة وتتدخل في شؤون تسيير المحاكم  وتدبير ملفاتها، فإن كان من وظيفة القضاة ان يتدخلوا في حياة المتقاضين لحل النزاعات فيما بينهم ، فليس للسلطة أو الدولة أن تتدخل في حياة الملفات وفي حياة القضاة فلا قانون يسمح لها بهذا الدور إلا قانون الشطط و القوة ….

 فكفى من العبث، ومن الاستهزاء بقيمة المؤسسات ومصداقيتها، ومن التدخل العنيد في القضاء والتواطؤ عليه، وكفى من صمت وانحناء بعض القضاة أمام هاته الاهانات و الممارسات المرفرضة، فلن يظل لدى المتقاضين اي اعتبار لهم او لهيبتهم إن هم سكتوا امام من يريد لهم بئس المصير، وعلى من لا يَقدِر من القضاة حماية استقلاله وشرفه و الدفاع عن صلاحياته القانونية و يسترخص كرامته أن يستقيــل من مرفق القضاء ويغادر لخدمة اجهزة أخرى.

 

 إن الجسم القضائي سينهار بالتمام إن وَهَن عضو واحد منه، و الوطن  سيموت  لو ماتت  إدارة قاض واحد .   

الرباط – 6 ماي 2017