نصائح لمواطن مُهمّش مُقبل على الاحتجاج

المسائية العربية/حسن البوهي

كلود لولوش: لا نراقص عملاقا من دون أن يدوس على أقدامنا”


في أحسن بلد في العالم (المغرب) الإدارة المركزية تصيخ السمع جيدا لنبض المجتمع وتتفاعل بشكل إيجابي مع انشغالاته، لا مجال للتسويف والمماطلة، رسالة بسيطة من المتظاهرين تكفي لتصل إلى من يهمه الأمر، تُستنفر الأجهزة والدواوين الوزارية لتتواجد عن بُكرة أبيها بمكان الاحتجاج كما هو الشأن بالحسيمة، لا يهم إن كان ممثلوا الجهاز الحكومي ممن يعافهم أبناء الشعب، المهم هو التواجد بعين المكان، كما لا يهم إن كانوا من عرّابي الريع السياسي والأخطبوطيات الاقتصادية المشبوهة، المهم هو الإنصات لنبض المجتمع ولا شيء غير الإنصات، فهولاء الممثلون بريئون مما نُسب إليهم والقضاء العادل المستقل لم يكن ليغمض له جفن لو تأتت له القرائن التي تدينهم، كل تُهم الفساد المالي محض ترهات يُروّجها أعداء الوطن والطُفيليات الحقوقية المدسوسة لخلق الفتنة والتفرقة بين أبناء الوطن الواحد، فليس مُستهجنا أن تكون هناك تفاوتات سوسيو اقتصادية بين أفراد الأنتلجنسيا المُسيرة (المسيطرة) وبين باقي إخوانهم من عامة الشعب، كما ليس هناك فرق بين من تمتلئ مائدة إفطاره المتواضعة بعينة يسيرة مما لد وطاب من المأكولات التي تبعث على الحيرة، وبين مائدة باذخة بتواضعها تؤثثها حريرة بلدية وخبز شعير وزيت مغشوش وزيتون أسود.. فكلا الفريقين يُحققان نعمة الشبع، وكفى المؤمنين شر القتال، أما بخصوص صعاليك الشعب من ذوي “الرؤوس الساخنة” الذين يطالبون بالموازنة بين المائدتين وضمان مبدأ التكافؤ في التغذية والتعليم والصحة وو…فهم خونة يُزايدون على الوطن، متآمرون مع قوى خارجية تحسد المغرب على “وهم” (عفوا نعم…جمع نعمة) الهدوء والسكينة التي يرفل فيها، وإذا كنت أيها القارئ من هؤلاء الضالين المغضوب عليهم إليك مني هذه النصائح الثمينة التي ستضللك (عفوا مرة أخرى..ستظللك) بظل أحسن بلد في العالم.
سيكون عليك أيها المواطن “العاق” أن تراجع نفسك جيدا قبل التفكير للخروج في وقفة احتجاجية ذات مطالب اجتماعية اقتصادية، كما يستوجب أن تضع نصب عينيك أنك إذا تماديت في مطالبك تلك وحاولت الكشف على ما لا يُكشف وأشعته بين الناس، فسيجر عليك وابلا من التهم الجاهزة كتهديد أمن الدولة وزعرعة ولاء المواطنين.. وإذا صادف أثناء احتجاجك وتلقيت حوالة مالية من أحد أصدقائك أو أفراد أسرتك المقيمين بالخارج حتى وإن كانت لا تتجاوز 2700 درهم كتلك التي تلقاها ناصر الزفزافي في حراك الحسيمة، فستتابع بفصول القانون الجنائي المُتعلق بتلقي تمويلات أجنبية والمس بوحدة الوطن.
ولا تتوقع من الوكيل العام للملك أن يستهين بذلك المبلغ أو يُخضع قيمته وتأثيره للتمحيص العقلي السليم، بل ستجده بعد توصُّله بالتعليمات يُطّبق منطوق فصول الإدانة بحذافرها ولن يأخذه في ذلك خجل ولا تبكيت ضمير، لأنك جرثومة خبيثة وجب اجثاتها من منبثها.
وعندما تنتقد سياسة الدولة في مقاربة الشأن العام فكن على استعداد لتقبل تهمة الخيانة والعمالة لقوى خارجية، كما يستدعي بالضرورة أن يتسع صدرك لحملات التقريع والتشهير الذي تضطلع بها البروباغندا الاعلامية والأقلام المأجورة (أقصد المأثورة) التي ستغوص في خصوصياتك وتنشرها غسيلا على حبل مواقع التواصل الاجتماعي، كما يجب أن تكون على استعداد لتحمل وابل السب والشتم والوعيد بالشر المستطير من مواطنين آخرين لا يهم إن كانوا لا يميزون بين الوطن والدولة، وسيتم إقحامهم في الصفوف الأمامية لاختلاق مشادات كلامية تفضي لتشابك المناكب من أجل تبرير التدخلات القمعية (يظهر أني لا أصلح لإسداء النصيحة..أستسمحكم عذرا..أقصد التدخلات الأمنية) حينها ستكون متابعا بتهمتي إهانة رجال الأمن ومعاداة رموز الدولة في تجمعات عامة.
وإذا كُتب النجاح الجزئي لوقفاتك الاحتجاجية أيها المواطن الجاحد واستطاعت استمالة عطف غالبية المواطنين الآخرين بباقي المدن المغربية وتفاعلت معها أقلام ضالة (هي الأخرى)، فستُجنّد لك الداخلية عيّنة من محلليها الأشاوس الذين يفهمون في كل شيء، وسيحاولون الربط بين المتناقظات والجمع بين المتنافرات حتى وإن تطلب الأمر الاستخفاف بالعقول للاستدلال بأنك متشيع أو خارج عن الإجماع العقدي والروحي لعموم المغاربة، كما لن تدخر وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية جهدا في أن توغر عليك قلوب المتدينين إذا لم تكن متدينا أو وجدت في خطابك ثغرة دينية، وإذا كنت عكس ذلك ستؤلب عليك جهات أخرى متوارية رأي حداثييها المُصطفين على كواليسها وسينعتونك بالتطرف والسوداوية والظلامية.
في نهاية المطاف سيجد مهندسو الداخلية منطقا بليدا ( بليغا يا سادة وليس بليدا…عذرا للمرة الأخيرة ) لإخراس صوتك، لكن مهلا… هل يستطيع هؤلاء إخراس أصوات كل إخوانك المهمشين من أبناء هذا الوطن؟ وهل ستسعفهم مخيلتهم المفرومة في اختلاق المزيد من الأكاذيب الخالية من الإبداع لفبركة ملفات وتهم وهمية؟ والسؤال المُقلق كم تبقى من جرعة الصبر عند إخوانك المهمشين؟.