هل يمكن للفصحى ان تراجع سيبويه

المسائية العربية مراكش

يونس مجاهد

النقابة الوطنية للصحافة المغربيةلا شك أن النقاش، الذي أثارته مسألة اعتماد الدارجة كلغة تدريس، لا يمكن تجاوزه، بمجرد القول إن اللغة العربية الفصحى، تظل هي القادرة على الاستجابة لمتطلباتنا، لأنها لغة عالمة، أثبتت أنها حمَالة لمفاهيم علمية و فلسفية، متقدمة، الأمر الذي لا يمكن الادعاء، بأن الدارجة قادرة على القيام به، و أيضا لأن الفصحى تتوفر على نحو و صرف و بنيات لسانية متطورة، بالإضافة إلى ارتباطها بموروث حضاري، لا يمكن الانسلاخ عنه، و بفضاء حيوي و استراتيجي، أساسي في وجودنا.

كل هذه الاعتبارات صحيحة، و تعطي للمنافحين عن اللغة العربية، أسلحة قوية تجاه خصومهم، لكن هذا لا يعالج الإشكالات التي تطرح يوميا، بالنسبة لقدرتها، في نسختها “الأصيلة”، على مجاراة التطورات، التي تحصل، في مجالات العلوم، و استعمالات التكنولوجيات الحديثة، و كذا الاستعمال اليومي، في المرافق و الحياة العادية… و من هنا جاءت الدعوة لاستعمال الدارجة، بدل الفصحى، مستندة في ذلك على أن اللغة السائدة في التعامل اليومي، الشفاهي، ينبغي أن تكون هي الأصل. و قد لاقت هذه الدعوة صدى لدى العديد من الأوساط، التي تعتبر أن معالجة شبه الانفصام بين اللغة اليومية، المتداولة شفاهيا، و اللغة العربية المكتوبة، يكمن في تقعيد الدارجة، و اعتمادها كلغة تعليم، و التخلي عن الفصحى. و تقدم هذه الدعوة عدة مبررات لطرحها، من بينها أنه سيكون من السهولة على الطفل تعلم الدارجة، المتداولة، بدل اللغة الفصحى، التي تكاد تنقله من عالم إلى عالم، بالإضافة إلى قدرة الدارجة على التلاؤم مع المصطلحات الجديدة، التي تأتي من التطور العلمي أو من التمازج و التعلم من الشعوب الأخرى… و من بين المبررات كذلك، أن الدارجة يمكنها أن تكون راقية، بدليل أن شعر الملحون، مثلا، و الفن الشعبي، كله، جميل ويتوفر على جودة عالية، و ينتشر بسرعة بين الناس. و لا يمكن هنا إلا استحضار أمير الشعراء، أحمد شوقي، عندما قال: “أخاف على الفصحى من عامية بيرم التونسي”. فالجدل ليس جديدا، و قد عرفه العالم العربي، منذ الثلاثينات، من القرن الماضي، و بموازاته، كان هناك جدل آخر، حامي الوطيس، بين طه حسين، و مصطفى صادق الرافعي، حول التجديد في اللغة العربية، لكنه اتخذ صبغة إيديولوجية، عندما كتب طه حسين كتابه “في الشعر الجاهلي”، الذي زعزع الأوساط المحافظة، بتشكيكه في أصالة المعلقات، و اعتبر أن أغلبها، تم خلقه، في عهود لاحقة على الإسلام. و كان جواب الرافعي، معتمدا على الدين، حيث كتب مقالات سماها “تحت راية القرآن”، متهما طه حسين بالخروج عن الإسلام، بسبب نشره لكتابه المذكور، و ربطه بدعوته لاعتماد لغة عربية سهلة و مبسطة، سميت بعد ذك، “السهل الممتنع”. و في الحقيقة، إن طه حسين لم يتمرد على اللغة العربية و على قواعدها، بل دعا إلى استعمال لغة فصحى، خالية من المبالغة في السجع و المحسنات البلاغية… و من الواضح، أن اللغة التي انتصرت هي تلك الذي دعا لها طه حسين، حيث سادت في الصحافة و التعليم و الفكر و الثقافة و الفن، و لم تتمكن عامية بيرم التونسي، من إضعاف مكانتها. لكن هيهات بين لغة طه حسين، و بين لغة الرافعي، و من نحا نحوه. و معنى ذلك أن الأصل هو اللغة الفصحى، لكنها يمكن أن تسود بأشكال أخرى، غير أسلوب و تعابير و بنيات المعلقات، بل إن السؤال الأكبر هو هل يمكن أن نتصور إمكانية تجاوز سيبويه، الذي يعتبر رائدا في تثبيت قواعد النحو؟ لقد تتلمذ سيبويه على أستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدي، أهم من وضع قوعد الشعر التقليدي، المعروفة بالعروض، غير أن الشعر المعاصر تجاوز هذه القواعد، دون أن تحدث كارثة للغة العربية. فهل يمكن تعديل قواعد سيبويه لجعلها اكثر تلاؤما مع تطورات العصر و الحاجات اليومية؟ هذا هو ما يمكن انتظاره من لغة حية كالعربية الفصحى. و هو الطرح الذي دافع عنه المفكر الكبير، عبد الله العروي، في مقابلته مع القناة الثانية، مقدما مثالا واضحا على إمكانية المراجعة، عندما اقترح حذف المثنى، و غيره من القواعد التي لا توجد في لغات أخرى، كجمع المؤنث السالم، و تبسيط النحو و الصرف و الشكل… مما يسهل الاحتفاظ بالفصحى كأساس للغة التعليم و العلم والفكر و الثقافة. و مثل هذا العمل، لا يمكن أن يكون مرتجلا، و ينبغي أن تقوم به مؤسسات، مثلما فعل اليهود بالعبرية، التي كانت مكتوبة، و لم تكن متداولة، شفاهيا، بل كانت تعتبر لغة دينية مقدسة، فقط، إلى أن انطلقت حركة تجديدها، منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، و تواصلت إلى منتصف القرن العشرين، و أدخلت بذلك على العبرية تحسينات كثيرة، و نحتت فيها مصطلحات من الآرامية و العربية و حتى من اللغات اللاتينية، و أصبحت بذلك هي لغة “الأمة اليهودية”، كما صورت ذلك الحركة الصهيونية. لذلك سيكون من المناسب أن نتعلم من أعدائنا، رغم أننا أكثر تقدما منهم على مستوى نضج اللغة العربية الفصحى و انتشارها و تداولها اليومي، و على مستوى الشرعية التاريخية.

اضف رد