ولاية أمن مراكش وضمان الحق في ولوج المعلومة

المسائية العربيةimgres

عبد اللطيف سندباد

عندما يحصل الصحفي على المعلومة الأمنية من مصدرها، وعندما لا يفر المواطن من أمام رجل الأمن وعندما تكون العلاقة سليمة بين من يقدم الخدمة ومن يستفيد منها، فذاك من مؤشرات الحكامة الجيدة في المجال الأمني، وكثير من المراكشيين ينظرون إلى قطاع الأمن باعتباره خدمة كباقي الخدمات العمومية تقدمها مختلف مصالح ولاية الأمن لهم بصفتهم مواطنين ودافعي ضرائب، ويطالبون أجهزتها بالاحترافية والشفافية لتلبية حاجاتهم، كما يتطلعون إلى تعزيز التزام الأجهزة الأمنية بالقانون وتحمل المسؤولية في الأفعال.

ويعد حق الولوج إلى المعلومة حق دستوري وضروري لكل حكامة أمنية جيدة، ويشمل ذلك  الحق في نشر ونقل المعلومة المتعلقة بأنشطة ذلك الجهاز وقبول طلبات الولوج إلى المعلومة خصوصا إذا كانت صادرة من قبل مؤسسات أو فعاليات الجسم الصحافي أو الإعلامي.  ويعتبر ذلك إسهاما في تعزيز الشفافية وتحسين الثقة بين الأجهزة الأمنية ومختلف وسائل الإعلام وبالتالي المواطنين.

وفي نهاية الأسبوع الماضي شهدت مراكش جدلا حول حق وسائل الإعلام خصوصا منها الصحافة الالكترونية  في الولوج إلى مسرح المعلومة، حيث بادرت الخلية الخاصة بالتواصل مع وسائل الإعلام بولاية أمن مراكش إلى دعوة البعض من الكل الصحفيين والإعلاميين إلى حضور الاحتفال بالذكرى 59 لتأسيس الأمن الوطني. هذا التعامل جدّد التفكير في إحدى أهم مداخل  الحكامة الأمنية الجيدة، والمتعلقة بحق الصحفي في المعلومة باعتباره يشكل أحد مقومات الديمقراطية المحلية واللامركزية، وشكل إقصاء عناصر  صحفية خصوصا منها المنتظمة داخل الجمعية الجهوية للصحافة الإلكترونية بجهة مراكش تانسيفت من مواكبة فعاليات الاحتفاء بهذه الذكرى المجيدة بمثابة مناسبة لإعلان المقاطعة، بإصدار هذا الإطار لبيان استنكاري من خلاله تم تحميل  ولاية أمن مراكش ممثلة في المسؤول عن الإعلام والتواصل، مسؤولية ما أسماه البيان بـ ”  الإقصاء الممنهج وغير المبرر لأعضائها ” من حضور هذا الاحتفاء الوطني الرائع.

هذه المقاطعة عوض أن تثير بين مختلف الفاعلين بمراكش فرصة للتداول في مسألة الحق في الولوج إلى المعلومة ومن يلجها ويحصل عليها، وكذا والمراهنة على إشاعة الشفافية وما تتيحه من تعزيز للحكامة، والتوق إلى تغيير العقليات ودور الإعلام الالكتروني في تسهيل مختلف هذه العمليات وتطويرها، فإن الساحة الإعلامية بمراكش شهدت حساسية بالوكالة اكتست طابع الهجوم على الجمعية من خلال أساليب خطابية تثير العاطفة في المتلقي، وتنزاح عن ما يقوي الجسم الصحفي.

إن اتخاذ القرارات والمواقف لا سيما منها الجماعية التي تمت مؤخرا بالجمعية المذكورة ليست معطى  عبثيا أو انفعاليا بل هي سيرورة مخاض تداولي خلافي، و خضوع للمنهجية الديمقراطية بين أعضائها، وهاتان الدعامتان أسفرتا عن قرار المقاطعة بعيدا عن كل توهم بشخصنتها في مسؤول ذاتي، إذ الأشخاص في الاجتماع الإداري وقائع جماعية وإن كانت داخل المؤسسات، وهم معنويون في مخاطبتهم، وهم كذلك عناصر مسيرة في حياتهم المهنية والإدارية، ولدى مزاولتهم المهام المنوطة بهم فهم مرؤوسون يعبرون عن إرادة المؤسسة، وحصيلة أعمالهم وإنجازاتهم جزء من مخططات مسؤوليهم المباشرين في تدبير الشأن العام، وكذا تنفيذا للنصوص التشريعية والتنظيمية، حيث أن كل مسؤول في قطاع يحمل رؤية جماعية لقطاعه، إذ ليست الوقائع الأمنية تعبيرات عن حالات فردية بل هي رؤية وفعل جماعي قد يقوي الاستراتيجية الأمنية أو قد يضعفها لكنها مهما كانت فهي تعبيرات صادرة عن وقائع جماعية ترنو تطبيق القانون والتحلي بأخلاقيات المهنة.

غير أن هذه الوقائع الأخيرة من جهة المقاطعة أو المبادرة بالوكالة لا يمكنها الاعتراض على مضامين الاحتفاء الإقليمي والوطني بذكرى غالية لتأسيس جهاز  استراتيجي ضامن للأمن والاستقرار،  حيث الكل مسؤول ومدعو للانخراط في ورش تعزيز الحكامة الأمنية بوضع الآليات والضوابط، والتطبيق السليم لها، وإعطاء البعد الإنساني لكل تعامل  بما يفيد الإيمان بالشرعية وبدولة الحق والقانون والمساواة.