الديمقراطية وحقوق الإنسان ، أية علاقة ؟

المسائية العربية

الاستاذ عبد الرحيم جدي 1524690_968478626500517_8871441244317551663_n

هذا نص المداخلة الذي كان من المفترض ان أشارك بها في الندوة التي نظمتها الجمعية المغربية لحقوق الانسان فرع المنارة يوم 30 اكتوبر بنفس العنوان … وبما ان رئيس المجلس الجماعي رفض في آخر لحظة تمكين الجمعية من قاعة المحاضرات بالمجلس الجماعي فقد آثرت إعادة صياغتها بهدف نشرها على الفضاء الأزرق .

ثمة مداخل متعددة لمقاربة هذا الموضوع . يمكن مثلا تقديم ملخصا مستقى من القواميس والمراجع القانونية تعرف بالديمقراطية وحقوق الإنسان كالقول إن “الديمقراطية ” توليفة بين مفردتي ديموس و كريتوس اليونانيتين واللتين تعنيان “حكم الشعب ” كما تبلور في نموذج الدولة / المدينة بأثينا .أوأ ن الديمقراطية – بالمعنى الحديث – تحيل إلى النظام السياسي القائم على الفصل بين السلط ..والتداول جزئيا أوكليا على تمثيلها . وبخصوص حقوق الإنسان – والإحالة دائما على المراجع المومئ إليها أعلاه – فهي مجموع المعايير ( Normes ) التي أعلنتها الجمعية التأسيسية الفرنسية بعيد ثورة1789 وكذا دستور الولايات الأمريكية لسنة 1776 والتي على السلطة العامة احترامها وحمايتها كحرية الضمير والتعبير والتنقل وحق الملكية وحق مقاومة الطغيان ..( الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن ) ، إضافة إلى مجموع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ( الحق في العمل والصحة والتعليم ..) والتي تبلورت كجيل جديد من الحقوق خاصة بعدالحرب العالمية الثانية .
هذه المقاربة وصفية لها قيمتها الأكاديمية والبيداغوجية لكنها لا تنم عن انخراط الذات القارئة واشتباكها مع المشروع الديمقراطي ولا تعمق اكتناهنا للموضوع في تاريخيته . فهي تفضي إلى مجرد تحصيل حاصل .
ثمة مقاربة ثانية ، وسأقترح عليكم بعض خلاصاتها ، تقوم على أشكلة الموضوع Problématisation أي النظر إلى الديمقراطية وحقوق الانسان ، في السياق المغربي المعاصر ، كأفق يطرح جملة مفارقات يتعين تشخيصها وتأويلها ومن تم محاولة التماس بعض عناصر الجواب عن إشكالية إنجاز الديمقراطية وحقوق الإنسان في السياق المغربي ، دولة ومجتمعا . وقبل الإستطراد أريد التنبيه إلى نقطة منهجية حاسمة تتعلق بتحديد الحقل المعرفي الذي تتحرك داخله هذه القراءة . لقد حقق علم القانون ، وأخص بالذكر المدرسة الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية بشكل واضح ، منجزا معرفيا كان من نتائجه أن تجاوز حدوده الشكلية التقليدية وانفتح على العلوم الاجتماعية –الإنسانية .. لم يعد يقتصر على تفسير القانون بالقانون مثلا البحث في الوثيقة الدستورية عن استقلال السلطة القضائية بل أصبح يبحث أيضا في الممارسة الفعلية لهذه السلطة وهوما جره إلى الانفتاح على الواقع بكل تعقيداته وبالتالي على العلوم التي تأخذ هذا الواقع موضوعا لها . ( القانون الدستوري والمؤسسات السياسية ، علم الإدارة ، سوسيولوجيا القانون …)
نعود الآن إلى مفارقات الديمقراطية وحقوق الإنسان في السياق المغربي . التفكير بالديمقراطية وحقوق الإنسان هوفي حد ذاته استقراء لتاريخ الدولة الحديثة التي نشأت بأروبا الغربية . وإذن فقراءة الذات سياسيا يتم بالضرورة عبر قراءة الآخر . هذه نقطة في غاية الأهمية ولمن يريد التوسع بها العودة إلى أعمال الأستاذ ع العروي خاصة ” الأيديولوجية العربية المعاصرة ” والعرب والفكر التاريخي “. وبالنتيجة فالديمقراطية وحقوق الإنسان في الفضاء المغربي واقعة متحركة ومفتوحة نتجت عن المثاقفة acculturation- في بعدها السياسي –المؤسساتي والخطاب الحقوقي – مع فرنسا . بعبارة اخرى ، نحن نتابع ونتأمل من خلال هذا الموضوع صيرورة استنبات نموذج الدولة الحديثة بمؤسساتها وأيديولوجيتها الحقوقية في فضاء مختلف له شروطه السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية .. نحن إذن بصدد إشكالية تحديث /دمقرطة المجتمع المغربي ونمط السلطة المركزية التقليدي المخزني الذي ساد به قبل المثاقفة . السؤال الذي يفرض نفسه : هل من الضروري أن تسلك تجربة الديمقراطية وتكريس حقوق الإنسان هذه نفس المسار الذي اجتازته التجربة الأوربية والفرنسية تحديدا ؟ الجواب هو نعم ولا في نفس الوقت . نعم ما دمنا نستلهم التجربة وبالتالي نفهم ونحلل على ضوئها . ولا لأنه إذا كانت الديمقراطية وحقوق الإنسان كرؤية عامة ، واحدة ، إلا أن التجارب الفعلية لتحقيقها متميزة ومختلفة ذلك أن الطريق الألماني ليس هو الطريق الانجليزي والذي يختلف بدوره عن الفرنسي أي أنه من شروط نجاح المنجز الديمقراطي هو الإبداع أي أن الشعب المعني يبدع أسلوبه الخاص في تحقيق الديمقراطية وحقوق الإنسان .
على ضوء هذه المقدمات لنتابع الآن المسار التاريخي لإعادة تشكيل الدولة الحديثة بالمغرب ..
1 – من المسلمات التي تقوم عليها الدولة الحديثة مبدأ السيادة الذي يكثف الإرادة العامة بما هي المشاركة الفعلية لجميع أفراد هيئة المجتمع ( روسو) وهي المشاركة التي تخول صفة مواطن في العقد الاجتماعي . كان ذلك هو المنطلق في صيرورة الدولة الأوروبية الحديثة ( Jean Bodin : DE la république) مع ملاحظة ان الجمهورية عند بودان تعني الدولة الملكية المطلقة و المستقلة عن سلطة البابا.
في السياق المغربي ، نلاحظ أن السيادة / الاستقلال تحققت قبل اكتمال تشكل الشعب وانخراطه بأكمله في الشأن العام الذي يخصه والمتعلق بالاستقلال الذي هو عنوان سيادته في الزمن المعاصر . (أقول بأكمله ليس بخلفية الإجماع على مطلب الاستقلال وهوأمر مستحيل ولكن اعتبارا كذلك للأصوات التي كانت ترى أن الشعب غير ناضج بعد ليحكم نفسه بنفسه ( حزب الشورى والاستقلال مثلا} أو ان تحرره رهين بتحرر البروليتاريا الفرنسية ( الحزب الشيوعي المغربي مع ولاية ليون سلطان ) .)
فمن جهة بقيت مناطق بأكملها خارج المفاوضات … ومن جهة ثانية كانت التمثيلية المهيمنة في الوفد المفاوض.. لحزب الاستقلال الذي هو حركة مدينية بامتياز … أي أن سكان البوادي بالمغرب وهم الأغلبية الذين كانوا حملوا السلاح ضد المستعمر بقوا على الهامش وهوما شكل القاعدة الاجتماعية لما سماه ريمي لوفو فيما بعد ” بالفلاح المغربي المدافع عن العرش ” . لا يمكن فهم الانكسار السياسي للحركة الوطنية بشقيها اليميني والتقدمي واستئساد المخزن بعد الاستقلال دون استحضار هذا المعطى .
2- يعرف الدستور بأنه تقنية حقوقية استعملتها الطبقة الوسطى الصاعدة بأروبا الغربية لتقييد السلطات المطلقة للملكية والتي عبر عنها لويس 14 بعبارة ” الدولة هي أنا ” . في السياق المغربي نلاحظ ان الدستور منح لتكريس “الحكم الفردي المطلق ” حسب تعبير الشهيد بنبركة أي انه بعد إقرار الدستور سنة 1962 أصبح المخزن أكثر قوة ونفوذا مما كان عليه من قبل ….
3- في ظل هذا المناخ /التحول نشأت وتكونت أحزاب تحوز أغلبية تمثيلية لكن بدون رهانات سياسية على السلطة ( الحزب الإداري ) إذ تكتفي بتوزيع الامتيازات ومنافع النظام دون أي مشاركة فعلية في هندسته وتسييره . وفي المقابل فإن الأحزاب التي خرجت من رحم المجتمع ، راوحت وضعيتها بين التهميش الانتخابي المخدوم أوالمعتقلات وعلى قدر معارضتها .
4- هذه التمثيلية المخدومة أنتجت “مشرعا ” ليس له غيرة على مجال اختصاصه …وتنازل دونما إدراك عن مجال حيوي يهم الحياة اليومية للمواطنين لفائدة مشرع القرون الوسطى … إنها الطريقة المغربية لنمط “الدولة غير المكتملة ” حسب وصف الأستاذ علي مزغادي في كتابه ” « L état inachevé .
5- أما القضاء الذي ما فتئ يرنو إلى أن يكون سلطة مستقلة ..فلقد سبق لأحد رؤساء الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى السابق أن أعلن أن القاضي المغربي مجرد مفوض لدى أمير المؤمنين وبهذه الصفة المنتقاة لا يمكنه نظر الطعون المرفوعة ضد قرارات الوزير الأول الموقعة بالعطف …وبذلك كان يكتفي بالمصادقة على المحاضر المنتزعة من المعتقلين إبان ” سنوات الرصاص ” ويحولها إلى قرون من السجن .. إن قيام الدولة بتعويض معتقلي الرأي ،من المال العام ، هو إقرار بطبيعة المحاكمات التي أخضع لها مناضلو الحرية .
6- أما المرفق العمومي ، عنوان فخر دولة الرعاية ، فلقد كان يسير بمنطق الضيعة الخاصة …بدون حسيب ولا رقيب وأمثلة الفساد ونهب المال العام تملأ عناوين الصحف اليومية .
7- وللإنصاف بقي أن أشير إلى أن المواطن العادي استعمل حريته الفردية وحقوقه السياسية كأي بضاعة في السوق ….( البغاء ، بيع الأصوات..) .
هذه بعض مفارقات تشكل الدولة الديمقراطية الحديثة بالمغرب .. ويبقى السؤال : ما دلالات هذه المفارقات ؟وما أثرها على تكريس حقوق الإنسان ؟
المشهد ليس قاتما كما قد يتبادر إلى الدهن المتسرع . هذه السيرورة ، بتناقضاتها ، تشكل منجزا تاريخيا لا رجعة فيه ..بمعنى أنه حسم الصراع لفائدتها ضد الطوبى المنافسة Utopies conquérantes خاصة طوبى الخلافة . هذه الأخيرة إما تنتعش على هامش هذه السيرورة أي تكشف حدودها التي ينبغي الإنتباه لها كما هو شان مبادرة التنمية البشرية -على علاتها – لمواجهة الهشاشة الاجتماعية الحاملة الموضوعية للردة الممكنة أو تشتغل ضمن منطق الديمقراطية القائمة والممكنة وإن كان بهدف فرملتها من الداخل .
ومن جهة ثانية فإن الدينامية الداخلية لهذه السيرورة تفضي إلى تفكيك النمط المخزني ،بهذا لإيقاع أو ذاك ، وهو ما يشهد عليه اعتلاء شعار دولة الحق والقانون سدة الخطاب الإيديولوجي بالمغرب المعاصر فضلا عن انبثاق حركة 20 فبراير كآلية لتطوير النظام السياسي من داخله .
بقي أن أشير إلى أن السيرورة موضوع التأمل أظهرت محدودية الرهان على الإرادة السياسية –volontarisme وطرحت الأسئلة التالية : هل يمكن تعميق وتكريس صيرورة الدمقرطة دون توفر الشرط الاقتصادي وتحديدا دون التصنيع القادر على استيعاب مفاعيل البلترة Prolétarisation ؟
الأمر لا يقتصر في أثره على خلق الثروة بل يتعلق أيضا بخلق مصلحة مباشرة تمثل القاعدة المادية للعقد الاجتماعي .. يمكن للمواطن العادي الدفاع عنها حتى النهاية . لكن هل في الأفق تبلور جناح صناعي من الكمبرادور المهيمن والذي راكم ثروات نقدية وعقارية ؟ أم أن الدولة هي التي ينبغي أن تقود التصنيع ؟ وما هو الثمن السياسي – من الديمقراطية – الذي يقتضيه هكذا مشروع ؟
ثمة إشكال آخر لا يقل أهمية عن السابق ويمكن صياغته كالتالي : هل يمكن للمنجز التحديثي – في بعده السياسي /الحقوقي- أن ينمو ويتكرس بدون بنية ثقافية متنورة داعمة ؟ هل الفاعل الثقافي الديمقراطي مطالب باستعادة ” فلسفة الأنوار ” كمرحلة أولى أم أن عليه إبداع أنواره الخاصة حتى ولو لم تتوفر شروطها ؟
بخصوص حقوق الإنسان بمختلف أجيالها فإنها بدورها تطرح ، في الفضاء المغربي ، مفارقات من نوع آخر . فمن جهة تواجه منافسة ضارية من قبل بنية حقوقية تقليدية لا زالت فاعلة نفسيا أي قادرة على التعبئة خاصة بعد أن تبنتها قوى اجتماعية جديدة خلقتها مفارقات التحديث المثار بعضها أعلاه وبذلك ارتفعت معدلات المقاومة للتحديث الحقوقي استنادا إلى الحق في الاختيار/الاختلاف أي من داخل منظومة التحديث نفسها ! هذا الوضع يسائلنا جميعا : كيف نفسر استمرار فاعلية بنية فوقية فقدت قاعدتها المادية منذ أزيد من قرن ؟ أليست معطيات السيكولوجيا الجماعية والمخيال الجماعي L’ imaginaire social من محددات البنية الفوقية بالإضافة إلى المحدد الاقتصادي ؟
ثمة ملاحظة ثانية ملفتة بشان حقوق الإنسان في السياق المغربي وتتعلق بتزاحم وتنازع الأولويات بين أجيالها . ذلك أن التجربة التاريخية العالمية تكشف نوعا من التعاقب والتدرج في تبلور مجالات حقوق الإنسان إذ أن تكريس الحقوق السياسية والمدنية فتح الباب أمام نشأة أجيال جديدة اجتماعية ، اقتصادية ، ثقافية وبيئية ..الخ أما في الفضاء المغربي فإن جميع الأجيال تتزاحم وتضغط لتتحقق دفعة واحدة إذ أن النقابة العمالية ترفع في أن واحد شعار الحرية النقابية وتحسين القدرة الشرائية أو الحق في السكن …
ضغط الأجيال الحقوقية هذا لا تتحمله البنية السياسية بشقيها الرسمي والمناضل فضلا عن القاعدة الإقتصادية . ما هي تبعاته المتوقعة وكيف انعكس على التمثيلية السياسية اليسارية ؟
مثل هذه الوضعية كانت في أساس نشأة البلشفية … إذ أن جل كتابات لينين تدور حول تبرير نظرية حرق المراحل أي أن الرهان على إنجاز الحقوق المدنية / السياسية لوحدها أصبح عاجزا عن استيعاب النهوض الشعبي مع مطلع القرن العشرين بروسيا ولذلك بات برأيه ضروريا القفز إلى المسالة الاجتماعية … غير أن الزخم الذي ظهر به اللاعب الأصولي /الإرهابي أعاد خلط جميع الأوراق و أكد أن الديمقراطية أولا هي الحل 

 

الاستاذ عبد الرحيم جدي 

فاعل سياسي وحقوقي