IMG_20160424_152024

الأزبال تنطق في مراكش وتقول: ّ داويني بالتي كانت هي الداء

المسائية العربية :

 محمد السعيد مازغIMG_20160424_152009 (1)

من يقف في بعض الشوارع بمراكش يعجز عن فهم بعض العقليات التي تدَّعي أنها قادرة على توعية المواطن بأهمية الحفاظ على البيئة، ودفعه لتجنب رمي الأزبال في غير المكان المخصص لها، وذلك بوضع اطنان من المتلاشيات في الطريق. معتقدة أنها وسيلة للتعبير عن خطورة القاذورات وأكياس البلاستيك، وغيرها مما تستغني عنه البيوت، و المصانع  والشارع.. 

أصحاب هذه الفكرة يمثلون جمعيات المجتمع المدني، والتي أيٍّدها المجلس الجماعي لمراكش وانساق لاطروحتها، كما أيّد قبلها، خيمة مشوَّهة نصبت بالباب الرئيسي للمجلس الجماعي بشارع محمد الخامس، وأخرى على مدخل محطة القطار، اللتان سرعان ما تلاشت اطرافهما، وتدلى حصيرهما و انحرفا عن موضعهما الأصلي بفعل حرارة الطقس وهبوب بعض الرياح المحملة بالأتربة والغبار، حيث أضحى منظرهما يدعو إلى الشفقة على مجلس جماعي يراهن على جعل مدينة مراكش مدينة نظيفة، وسباقة إلى نهج النجاعة الطاقية، وإيجاد حلول ملموسة تتلاءم والنظرة المستقبلية لتأهيل المدينة وجعلها في مستوى المدن السياحية العالمية، فاختلط الأمر بين الإبداع والخلق، وبين التخريف والترقيع والتقليد الأعمى، وبدلا من إشهار منتوج في مستوى تطلعات مدينة مراكش السياحية التي تتهيأ لاحتضان أضخم مؤتمر للمناخ، اصبحت المعروضات تمثل بحق شوهة للمدينة، ولمن رخص لهذا العبث .

IMG_20160424_152024

نعتقد أن أصحاب هذه الفكرة، أسسوا قناعاتهم عن البيت الشعري العظيم لأبي نواس الذي قال في شطره الثاني: ” وداويني بالتي كانت هي الداء ” فهم جلبوا الأزبال من قاروات بلاستيكية واكياس وكارطون و قنينات   ومجموعة من المتلاشيات التي احتلت مربعا عريضا وسط الطريق المؤدية إلى الاداعة الجهوية وفندق الكتبية ودرب السبليون، معتقدين أن المواطن برؤيته لهذا المشهد، سيتعظ، ويتجنب هذا السلوك اللاحضاري، إلا أن العكس هو ما حصل، فقد وجد فيها البعض مكانا مناسبا لإلقاء ما لا يرغب فيه، فتكومت مجموعة من الازبال وقنينات الخمر الفارغة، وعلب وأعقاب السجائر،والصفائح المعدية وبقايا الزجاج وغيرها، مكونة بذلك مصدرا هاما لكل ملوثات الهواء، وعاملا للاضرار بالصحة والفرشة المائية،و المطهر الجمالي للمدينة، وبمستعملي الطريق الذين يضطرون إلى التوقف وإعطاء حق الأسبقية لمن ولج محيط مدارة العجائب.

كما لا يُسْتَبْعَد أن تكون إضافة أزبال على أزبال هو مجرد رد فعل للمواطن الذي يشعر أن الجهات الموكول لها الحفاظ على نظافة المدينة تريد أن توصل إليه معلومة  عن طريق لغة الأزبال والقادورات، فكان رده بالأسلوب ذاته، تأسيا بالمثل القائل” كما تدين تدان، وكما تهين تهان “.فاستغنى عن الحاويات واستبدلها بما يراه مناسبا للاحتجاج على غياب دراسات ذات طابع شمولي والتي من شأنها أن تعالج الاشكالية وفق نظرة واقعية ، كفيلة بحماية البيئة ومحاربة التلوث.

وقد يتبادر إلى الدهن أيضا سؤال ذو أهمية سياحية وتاريخية، فَلِمَ تمّ اختيار زنقة يوغوسلافيا لنصب جبل الركام؟

IMG_20160424_152009

فكما هو معلوم، فقد شطب على هذا الاسم من جغرافية العالم، واختفت حدوده بعدما جرفتها رياح انهيار حائط برلين، ومزقت أطرافها الحرب، فلم يعد للاسم أثرا يذكر، إلا في مدينة مراكش، وإذا كان اسم يوغوسلافيا لا يعني للعديد من المراكشيين شيئا، فبالنسبة للأجانب والسياح الأروبيين، فهو يعني لهم الكثير، فبمجرد ما يرمقون اللوحة المعدنية التي تحمل اسم الزنقة ، يتقافزون فرحا كما لو كانوا أطفالا عثروا على لعبة ضائعة ، و يشرعون في التقاط صور لهم قرب اللوحة تذكارا لما أتلفه التاريخ .

فإذا اتلف التاريخ اسم يوغسلافيا، فنتمنى أن يتدارك المجلس الجماعي لمراكش مثل هذه الاختيارات اللاتنموية، حتى لا يتلف بدوره بيئة هذه الزنقة ويساهم في تلويثها.