111

حرية الاغتيال.. اغتيال للحرية

المسائية العربية

111

احتلت قضية نقابة الصحفيين ووزارة الداخلية حيزا هائلا من مساحات وسائل الإعلام المقروء والمسموع والمرئي،وكانت النقاشات تحتدم بشدة بين أطياف المجتمع المصرى

وسط ضبابية لا تنكر..فقد وردت عدة روايات للحادث من الجانبين ،كما سيقت أدلة تنفى ما قبلها ،أكثر من مرة،الى ان بدأت النيران التى اشعلها الحادث وأججتها بعض الاطراف تهدأ ،ليرتفع صوت العقل رويدا رويدا ،داعيا الى التهدئة والتفاهم..لكن أمرا بالغ الأهمية ،لم يحظ ،فى رأيى بالقدر المطلوب من الجدية والاهتمام..ذلك هو تعريف مبدأ حرية التعبير،فهذه الحرية تكاد تكون الدعامة الاساسية التى ترتكز عليها المجتمعات المستقرة والمتطلعة الى التقدم والبناء..وأى إعلامى لا بد قد مر على ما قاله الفيلسوف الفرنسى فولتير الذى غدا دستورا لحرية التعبير ،«لا أوافق على رأيك،ولكنى سأقاتل حتى الموت فى سبيل حقك فى ان تعبر عنه وتقول»..

أى ان الجوهر ان يكون ما تقوله «رأيا» قابلا للنقاش والأخذ والرد،بهدف الإقناع وفى الوقت نفسه،احترام عدم اقتناع الآخر ،لأن لكل انسان حرية الاعتقاد ،سياسيا كان او دينيا ،أوغير ذلك..غير ان فضيلة قبول الآخر المختلف معك فى أى وجه كان، كادت تصبح اثرا بعد عين منذ تغلغل الفكر الإقصائى فى وطننا وتفشى هذا الفكر كبقعة الزيت فطال العقيدة الدينية والجنس واللون وكل ما من شأنه ان يفرق بين البشر..والأدهى والأمر أن تختل المعايير والموازين بصدد مفهوم «الحرية»،وهو ما أظن انه قد حدث فى هذه الأزمة ولم ينل اى قسط من الاهتمام إلا نادرا جدا..فقد كتب أحد الشابين اللذين لاذا بالنقابة كلمات لا تفسير لها سوى انها تحريض على القتل والاغتيال !!..

وقال ما معناه إن «الاغتيال هو السبيل الوحيدة للتخلص ممن يضايقك او يقف فى طريق تحقيق رغباتك،اذا كان ضابط شرطة او ضابط جيش او قاضيا اودعا صراحة الى اغتيال رئيس الدولة كما كال لمؤيدى الرئيس السيسى شتائم مشينة..الغريب ان ما عبر عنه هذا الشاب يستحيل ان يقبل به اى انسان ولا أى دولة بطبيعة الحال..فهل يمكن ان يعتبر عاقل ان تحريض هذا الشاب على القتل والاغتيال ،حرية رأي؟..وكيف لم يناقش المجتمع عموما والمجتمع الصحفى على وجه الخصوص خطورة هذا الشطط أو على الأقل انتقاده ورفضه ولا أقول تجريمه،علما بأن التحريض على القتل ،جريمة بنص القانون ..لماذا مثلا لم يعبر هذا الشاب عن «رأيه» وليس عن «شهوة القتل» تجاه من يختلف معه او معهم؟..وكيف مر مجلس النقابة مرور الكرام على ما جاء فى نشرات هذا الشاب وكأننا اصبحنا نعتبر ان الدعوة الى القتل والاغتيال اداة عصرية لتغيير السياسات او التوجهات..وايضا ،وهذا هو الجديد،اعتبار مثل هذه الدعوات ،نوعا من حرية الرأي،وما العوامل التى انتهت الى تحديد القتل والاغتيال سبيلا وحيدا لتحقيق المطالب..

والغريب ان يخرج شاب يجاهر برفضه لحق الملايين التى انتخبت السيسى والتى تثق فى قيادته،فى الاختلاف معه ونبذ اسلوبه..ومن اين استمد جسارة وصف كل من يختلفون معه بأنهم «مطبلاتية وعملاء ومنافقون؟»،!! هل هناك انكار لحرية الرأى والتعبير اكثر فظاظة من ذلك؟ وأين ذهب التشدق بالديمقراطية التى يدعون العمل على تحقيقها؟..ووسط هذه الهوجة الجديدة التى اجتاحت مجتمعنا،،سمعت أخيرا أحد قيادات جماعة الإخوان يعلن بكل هدوء ،انهم يعتبرون الاغتيال واشعال الحرائق والتفجيرات،ممارسات مقبولة، تندرج فى نطاق «السلمية ؟!» لأنها موجهة لعدو !!..

ووسط هذا التسيب والسيولة المرعبة ،وحفاظا على الأجيال المصرية الشابة،لا بد من وقفة ،شاملة، تضم كل الاحزاب والمؤسسات والبرلمان والجامعات ،والمثقفين والقانونيين ،وكل من يؤمن بأن الاختلاف سنة الحياة،للعمل على ضبط المعايير والدفاع عن الحريات وعلى رأسها حرية التعبير وليس حرية الاغتيال ،وتفعيل القانون ،دونما الخوف من ردود افعال الدول او المنظمات التى ترعى وتمول وتشجع من شوهوا هذا المبدأ العظيم..حرية التعبير..

 

المصدر: ahram.org.eg