saida-elfakkir

عندما يكون الأمن أنثى

المسائية العربية

ذة. سعيدة الفقير

          الأمن مفردة متعدية تتجاوز ذاتها الحرفية لتمتد وتنشر ظلالها على الذوات والأفضية بردا وسلاما وسكينة. من رزق الأمن في السرب فقد حظي بنعمة من الرب، فلا يمرأ قوت ولا يهنأ بال ولا يستقيم حال إلا في مرتع آمن.

         حين تطلق المفردة ينصرف الذهن في الغالب إما إلى الحالة وإما إلى الوظيفة، فهي إما وضعٌ استتب واستقر، وإما مصدرٌ استُنفر، وهي إذ  تستدعي معاني الحماية والقوة والأهبة والإقدام، تجد الذاكرة الجمعية تستبطنها صفات منسوبةً إلى الرجل مناسبةً له، بينما تكون المرأة موضوع وموضع الحماية والحمية، والغيرة والنخوة:

                     يقتن جيادنا ويقلن لستم بعولنا إذا لم تمنعونــــا

                     إذا لم نحمهن فلا بقينا لشيء بعدهن ولا حيينا (١)

        بيد أن قصر منح الأمن وتحقيقِه على الرجل يخالف الحقيقة والواقع الذي يقرره النص القرآني وحيا من خالق الذكر والأنثى العليمِ بهما اللطيفِ الخبير، إذ يجعل المرأة مصدرا لأمن الرجل حين يقول تعالى في محكم كتابه:( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (2)

       والسكن في القرآن ورد في سياقات متعددة سكنا وسكينة ومساكن…  ترجع في مجملها إلى معاني الراحة والطمأنينة والأمن. قال تعالى:( وصل عليهم إن صلواتِك سكن لهم). (3)، وقال عز وجل:( إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل سكينته عليه…).(4).

١ـ عمرو بن كلثوم

2ـ سورة الروم الآية 20

3ـ التوبة 104

4ـ التوبة 40

فالمنزل سكن: ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا) (1). البيت/العش/الغار/الجحر…ملاذات لا تقرع السمع إلا استحضرت الدفء والإيواء والاحتضان والاستلقاء والتلقائية: تلقائيةَ الأنا وعفويتها المسترخيةَ في مقابل تصنعها المضني في حضرة الآخر، لا عجب أن يذكر كتاب الله المسكن بين النعم التي يرفل فيها أهل الجنة: (وعد الله المومنين والمومنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن..). (2).

  والليل سكن: (وجاعل الليل سكنا).(3، (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه).(4)، ففيه يريح الناس من التعب والنصب، فلا يكون السكن سكنا إلا إذا أعقب الحركة،” إننّا في الصباح نعمل ونسعى في الأرض، ونملأ الدنيا حركة، فإذا ما أصابنا الكد والتعب والنَّصب من الحركة فالمنطق الطبيعي للكائن الحي  أن يستريح ويهدأ ويسكن لا بحركته فقط ولكن بسكون كل شيء حوله”.(5)

  والزوجة سكن، قال تعالى:(هو الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها…).(6)، (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).(7)، وهنا نلمح كيف أن الله تعالى جعل قطب الرحى ومدار السعادة في الأسرة قبل الأمور المشتركة من مودة ورحمة وغيرهما، السكن والأمن الذي توفره الزوجة لزوجها، بل إن الله تعالى جعل ذلك من عجائب قدرته ومظاهر عظمته آية من آياته الباهرة المدهشة، وغاية من غايات هذه الرابطة الغليظة المتينة.

وأجمل به من تعبير ينسب السكن إلى الزوجة لا السكن معها، لأن الأول يحيل على الحب والألفة والحنان والثاني لا يتجاوز استيطان المكان.قال الرازي:( يقال سكن إليه للسكون القلبي، ويقال سكن عنده للسكون الجسماني، لأن كلمة عند جاءت لظرف المكان وذلك للأجسام، وإلى للغاية وهي للقلوب).(8)

1 ـ النحل 80

2 ـ التوبة 73

3 ـ الأنعام 97

4 ـ يونس 67

5 ـ تفسير الشعراوي

6 ـ الأعراف 189

7 ـ الروم 20

8 ـ مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي. ص 111

والرجل يسكن إلى زوجه فيأنس بها، ويركن إليها ويسعد بصحبتها، ولا يجد نفسه على سجيته إلا بجوارها.

    ولنا في استقراء مضامين السيرة النبوية ما يعزز المعنى الأمني للسكن الذي تحققه المرأة في حياة الرجل، من خلال حدث نزول الوحي على سيد الخلق، فإذا كان من معاني السكن “السكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه ويوجب له زيادة الإيمان وقوة اليقين والثبات” (1)، فإن هذا المعنى هو عين ما تحقق في دور سيدتنا خديجة رضي الله عنها حين استقبلت فزع رسول الله وشدة ما وجد في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ – وَهُوَ التَّعَبُّدُ – اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، قَالَ: ” فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ:  ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ..﴾ (2)” فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَ: “زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي” فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ:”لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي” فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: “كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ”.(3). وفي شرح الحديث أن في كلام سيدتنا خديجة تأنيس من حصلت له مخافة من أمر وتبشيره وذكر أسباب السلامة له.

فانظر كيف تقابل رضي الله عنها رجفة الفؤاد وفزع القلب والخشية على النفس بالتهدئة والحنان والتبشير والتشجيع، وهو موقف يدعو إلى الدهشة والإكبار، فالوضع الطبيعي في هذا الموقف الجلل أن تفزع الزوجة وتتساءل وتستنكر ما يقع لزوجها وما يهدد بيتها من هذا الأمر غير المألوف، على عكس ذلك هدأت وساندت وسلت وطمأنت بذكرها من المناقب والسجايا ما يستحيل معه أن يكون صاحبها عرضة للخيبة والخزي والسوء، و لقد ظلت وفية لهذا الدور حتى وافتها المنية راضية مرضية، فلا عجب أن يحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلبه ذلك الحب الكبير لشخصها ليعبر عنه عرفانا وامتنانا:”إني قد رزقت حبها”( 1)، وذلك الوفاء لذكراها، والشوق الذي لا يخبو في وجدانه إليها حتى كان ذلك باعثا على غيرة سيدتنا عائشة رضي الله عنها…

1 ـ مدارج السالكين ج 2 ص 208

2 ـ سورة العلق

3 ـ صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي..

هكذا أمضت أم المؤمنين الطاهرة حياتها رفقة رسول الله تدعم وتواسي وتخفف وتتحمل معه الأذى الذي لقيه من قريش من تعذيب ومقاطعة وتجويع، فكان عليه السلام كلما وجد ضيقا وحزنا فرج الله كل ذلك عنه إذا أوى إليها فكانت بحق مصدر أمن عاطفي وسكينة روحية وهدوء نفسي.

وفي تاريخ الإسلام سير مدهشة لنماذج رائعة لنساء كن من عوامل تحقق الأمن حين يصير احتياجا ومطلبا استعجاليا يستدعي تصرفا فوريا شجاعا لا يعتريه التردد والخوف والارتعاش، فهذه سليلة الشجعان أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وهي التى تربت على الإقدام والجرأة، وكانت شاهدة على ما كان عليه والدها الصديق من حرص على حماية رسول الله وبذل للنفس ومخاطرة بها في سبيل رفع الأذى وتلقيه بدلا عنه عليه السلام فداء وولاء، تجعل من نفسها ركنا من أركان أمن الدعوة الإسلامية وسلامة حاملها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكفي أن نعرض للدلالة على ذلك موقفين مشرقين من سيرتها المشرفة تحكي عن أحدهما فتقول:

“لما خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبو بكر رضي الله عنه، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا عند باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قلت لا أدري والله أين أبي، فرفع أبو جهل يده –وكان فاحشاً خبيثاً- فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي”.(4)

لقد كان  موقفا بطوليا فدائيا منتهى الغاية فيه أن يسلم رسول الله وصاحبه و يأمنا غدر الكفار المتربصين حتى يبلغا مأمنهما ويستقرا حيث أراد الله للدعوة الإسلامية أن تسير وتزدهر، ولدين الله أن يمكن ويستقر، أما الثاني فدورها المفصلي في نجاح رحلة الهجرة في شقها الأمني بما تتطلب حركيتها من السرية والحرص والحذر، فقد كانت رضي الله عنها تخترق وحشة الصحراء ببسالة ورباطة جأش شيء لا يثنيها عن ذلك ما تجازف به وهي الأنثى الصغيرة الحامل، فتنقل الزاد إلى غار ثور حيث أوى الصاحبان، ولقد كان من بركة هذا الجهد البطولي أن تحظى بلقب ذات النطاقين.

1ـ صحيح مسلم

2ـ صحيح البخاري، كتاب المناقب

3ـ مسند الإمام أحمد

4ـ سيرة ابن هشام 478/1

ولا تستقيم مغادرة الحديث عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها في سياق دور المرأة في تحقيق الأمن  دون استحضار موقفها مع جدها الذي ترويه لنا قائلة: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة، وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله معه، خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قلت: كلا يا أبت، قد ترك لنا خيرًا كثيراً، فأخذت أحجاراً فوضعتها في كوة البيت التي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت بيد جدي فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال، فوضع يده عليه فقال لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. قالت أسماء: لا والله ما ترك لنا شيئاً، ولكني لأردت أن أسكن الشيخ بذلك.(١)

 هكذا ينضم هذا الموقف إلى موقفها مع أبي جهل لنجدها سيدة الكتمان في نشدانها تحقيق الأمان للصاحبين في الرحلة المحفوفة بالمخاطر، وللشيخ الفزع لتسكن نفسه ويهدأ باله مما يحاذر من الحاجة والفاقة، هذه السيدة الرائعة أيضا مضرب المثل في الحرص على الأمن العاطفي والأسري وهي تحفظ زوجها وترعى مشاعره وتذكر غيرته فتحجم عما يزعجه، تقول رضي الله عنها:

(…فجئت يوما والنوى على رأسي فلقيت رسول الله صلي الله عليه وسلم، ومعه نفر من الأنصار ، فدعاني ثم قال: إخ إخ (كلمة تقال للبعير لمن أراد أن ينيخه) ليحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس. فعرف رسول الله صلي الله عليه وسلم أني استحييت فمضى. فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله صلي الله عليه وسلم وعلي رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال:والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه. قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني.(2)، 

ومن أسباب الأمن الأسري أن تحفظ الزوجة زوجها في نفسها وماله، فعنها قالت: قلت يا رسول الله مالي مال إلا ما أدخل علي الزبير، أفأتصدق؟ ….(3). فقد بلغ من حرصها على حفظ الأمانة ولا تكون الأمانة إلا مجلبة للأمن، أن تسأل عن حكم التصرف في مال زوجها لا لغرض تريده لنفسها ولكن للبر بالمحتاجين.

1ـ ابن هشام 1/488

2ــ صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الغيرة

3ـ متفق عليه

وما قدمت المرأة في تاريخ الدعوة الإسلامية فيض هذا غيض منه، فمن المؤمنات نساء بذلن النفس فداء وحماية وذودا عن الدين وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه أم عمارة نسيبة بنت كعب رضي الله عنها تشهد المواقع وتقاتل في سبيل الله وتجعل من جسدها درعا تأمن به ألا يخلص أحد من أعداء الله إلى رسول الله، حتى شهد لها بذلك وأثنى على بسالتها وكذلك كانت أم سليم الرميصاء وأم حرام رضي الله عنهما….

بيد أن الأمن في الصور والنماذج المعروضة يرتبط في أكثر أحواله بسياق المواجهات التي أدت المرأة فيها دورا بارزا سجله التاريخ بمداد من ذهب، وإلا فقد أشرنا إلى الأمن المتحقق في كنف المرأة سكنا للرجل حيث تكون الأقدر على تهدئة انفعالاته، وهو الأمن العاطفي المتحقق بحفظ الزوجة لزوجها في نفسها وماله. من هنا نخلص إلى أن الأمن الذي يمكن للمرأة أن تكون ركنا رئيسا فيه متعدد الصور والأشكال خاصة وأننا

 صرنا اليوم نتحدث عن الأمن النفسي والأمن الصحي والأمن الغذائي والأمن الفكري والأمن العقدي…وصار العالم يرى الأمن مفهوما شموليا يتجاوز تدبير الحروب ووقف الصراعات إلى استباق منع حدوث أي شكل من أشكال اللاستقرار التي تراكم أسباب العنف الكبرى، فصار الحل هو التوجه إلى عمل المؤسسات للاشتغال على أشكال الأمن الوقائية خاصة فيما تعلق بالأفكار والمعتقدات، واعتُبرت المؤسسة المركزية المعنية بهذا الدور، الأسرة باعتبارها مجال التنشئة الاجتماعية، والحلقة الأقوى والأشد تأثيرا في هذه المؤسسة هي المرأة زوجة وهي مصدر السكن المعين على استقرار البيت وسلامته من الشقاق والفراق وتصدع الأركان وهي العوامل التي تخرج أجيالا مضطربة، وأُما باعتبارها صانعة الرجال ومربية الأجيال ومغذية هذا المطلب الأمني من خلال ما تنقل لأبنائها – بحكم قربها وملازمتها للأولاد – من قيم الإسلام وهي تنشئهم على آداب الحوار وقيم التسامح وتدبير الاختلاف واحترام الرأي وحسن الاستماع وتجنب الجحود والتشنج، وحين تضطلع بدورها في التوجيه الرشيد إلى التدين الصحيح، المأخوذ من مصادره النقية الموثوقة التي تبعدهم عن الأفكار الضالة والمنحرفة، وهو مطلب ذو طبيعة استعجالية وملحة في زمن التغرير والتأثير المحرض على الضلال والفساد.

ولعل الأدعى للاستعجال والإلحاح تمكين المرأة من أسباب التعليم والتثقيف ما يتيح لها أن تكون ذلك الشريك الفاعل المؤثر، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، والمرأة المتعلمة المتفقهة أقدر على النقل الآمن لقيم الإسلام  مضمونا وأسلوبا وأثرا.