8

وحش الداخلية يطل برأسه من جديد

المسائية العربية  

حسن البوهي

“الأموات غير مرئيين لكنهم ليسوا غائبين”: سان أوغسطين

8

تسارعت في الأيام الأخيرة وثيرة الأحداث السياسية المثير للجدل وتزايدت معها مؤشرات القلق في حدودها القصوى تشير بأصابع الاتهام إلى وزارة الداخلية ولسان حال عدد من الحقوقين والباحثين يلهج بسؤال هل ستعود وزارة الداخلية إلى سابق عهدها وتبسط هيمنتها على مؤسسات الدولة؟ هل ستعود سنوات الجمر والرصاص التي ضن المغاربة أنهم قطعوا معها مع دستور 2011 وتوصيات هيئات الإنصاف والمصالحة؟…أسئلة تجر بعنق أسئلة الأخرى والترقب سيد الموقف في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من مؤشرات ودلالات بدءا بقضية منع ترشيح ملف احماد القباج بمراكش مرورا بمسيرة الدار البيضاء الملغومة التي تم من خلالها استقدام ألاف المواطنين المغاربة من مدن متفرقة من المغرب للمطالبة برحيل حكومة بنكيران دون أن تتبناها أي جهة سياسية ولا وزارة الداخلية التي تبرأ منها الوزير حصاد رغم أن أعوانه من المقدمين متورطين في عملية التجييش والدعاية لها – وفق شهادات مواطنين مشاركين في المسيرة- وصولا لشد الحبل الذي جرى بين وزير الداخلية ووزير العدل “مصطفى الرميد” عندما صرح هذا الأخير أن وزارة العدل لا تُشرك في الإعداد للانتخابات البرلمانية المقبلة وأن وزارة الداخلية تهيمن على كل التفاصيل المتصلة بها على خلاف ما تقضيه القرارات والتدابير الحكومية والدستورية التي تستوجب إشراك وزارة العدل في الإعداد للانتخابات تحت إشراف وزارة الداخلية، فهل كل هذه الأحداث مجرد مصادفة في وقت زمني حساس على بعد أيام قليلة من انطلاق المعترك الانتخابي؟ وفي عُرف الباحثين في العلوم السياسية فهذا توقيت مهم وخطير في الآن نفسه لما له من تأثير واضح في هيكلة المشهد الانتخابي ورسم الخريطة السياسية وفق ما تقتضيه توجيهات جهات أخرى غير مرئية تتوارى خلف الكواليس وتشتغل وفق أجندة لا يعرف عنها المغاربة شيئا.
على خلاف طريقة الاشتغال الكلاسيكية في عهد الوزير الدموي “إدريس البصري” فإن وزارة “محمد حصاد” تتحرك وفق منهج محكم –وإن كان مفضوحا- وذلك باستغلال صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي يديرها أشخاص مجهولون والتجنيد الإعلامي من خلال بث خطابها بعدد من الجرائد الورقية والمواقع الإلكترونية التي أضحت ناطقها الرسمي، والقصد من وراء ذلك توجيه الرأي العام والتدخل الإستباقي للتحكم عن بُعد في مواقفه مستغلا حالة التذمر الشعبي جراء هزالة وضعف حصيلة المنجزات الحكومية.
فبعدما أدى حزب العدالة والتنمية دور الإطفائي في مواجهة حرائق الربيع العربي التي اجتاحت عددا من الدول العربية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يقوم الآن مهندسوا الخفاء بأجهزة الدولة العميقة بجس نبض الشارع المغربي لمعرفة مدى صلاحية هذه “الورقة الحزبية” وحول ما إن كان بمقدورها أن تؤدي وظائف أخرى جديدة لاسيما أن فئات واسعة من المواطنين تبخرت آمالها في أن يضطلع هذا الحزب بدور إصلاحي خصوصا عندما تبنى أمينه العام ورئيس الحكومة الحالية شعار “عفا الله عما سلف” وتراجعه عن متابعة ديناصورات الفساد الاقتصادي وناهبي المال العام ويتساءل العديد من الحقوقيين والمتتبعين للشأن السياسي عن مآل قضية “تبادل المنح بين بنسودة ومزوار”.. وغيرها من قضايا الفساد المثيرة التي طبعت المغرب الحديث والمعاصر، كما أن رئيس الحكومة الحالي صرح غير ما مرة في إطار قاموس من المظلومية السياسية بأن هناك قوى تحكمية تحول بينه وبين تنفيذ برنامجه الحكومي في إشارة إلى حكومة الظل وهو ما جرّ عليه غضبة ملكية اتضحت معالمها في متن الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش الأخير الذي قرص أذن رئيس الحكومة وأمعن في تقريعه من خلال رسائل مشفرة استوعب مراميها جيدا المحللون والمتتبعون للشأن السياسي المغربي.
الخاسر الأكبر من هذا البوليميك السياسي الملغوم هو حزب البيجيدي الذي ليس من المستبعد أن يجد نفسه في هذه الولاية أو الولاية المقبلة بالمعارضة، حينها لن يكون لمعارضته تأثير يذكر لأن رصيده الرمزي ذهب أدراج الرياح لضلوعه في تأمين محطة 2011 التي أخمدت حراك المجتمع المغربي وتمريره مجموعة من القوانين التي كان لها انعكاس سلبي مباشر على المستوى المعيشي للمواطنين، والرابح الأكبر سيكون حزب الأصالة والمعاصرة الذي يحظى بدعم ورضا وزارة الداخلية وحكومة الظل ويتضح ذلك من خلال عملية “التزيين والمكياج” التي يخضع لها بشكل مستمر ومتزامن مع شيطنة حزب المصباح بالحضور المتواصل لأمينه العام في الصفحات الأولى للجرائد اليومية والبرامج التلفزية والإذاعية بالإضافة إلى درعه الإعلامي (جريدة أخر ساعة، موقع كشك…) مساهمة في تلميع صورته وتهيئ الرأي العام لكي يتقبله كرئيس للحكومة المقبلة، وإذا نجح هذا السيناريو فإن وزارة الداخلية ستتمكن من بسط سيطرتها على المشهد السياسي من جديد، حينها قد يتطلب الأمر عقودا من التضحيات وجيلا آخرا من المضطهدين –إسوة بجيل ستينات وسبعينات القرن الماضي- للحد من امتدادها ولجم سطوتها، وستُطّل من جديد رؤوس الجلادين القدامي كوحوش منبعثة من مكمنها لتتناسل وتنجب جلادين جدد ووحوشا جديدة على مقاس الألفية الثالثة تتصيد ضحاياها وتمعن في التنكيل بهم بعيدا عن أدبيات الممارسة الديمقراطية..تكريسا للذلقراطية.