معول السرقة واختلاس المال العام يفتك بالاقتصاد الوطني

اختلاس مبلغ 3 مليارات من خزينة الجمارك بمراكش نموذجا

المسائية العربية

محمد السعيد مازغ

حديث الشارع، وما تصدرته بعض وسائل الاعلام،  يدور حول 3 مليارات ويزيد تبخرت من خزينة المديرية الجهوية للجمارك بمدينة مراكش في غفلة من الجميع، وحسب الرواية الرسمية، فإن القابض العام السابق للجمارك قام باختلاس 3 مليارات جملة وتفصيلا ، ولم يفطن أحد لهذه السرقة الموصوفة إلا بعد انتقاله من من مراكش إلى مصلحة أخرى بمدينة آسفي، بل وبعد مغادرة المشتبه فيه التراب الوطني، عبر مطار المنارة مراكش.

ويلاحظ أن المعلومة الواردة توقفت عند حدود التبليغ بالاختلاس، واختفاء المبلغ الهام من مالية الشعب، ولم تستطع ايضا ان تكشف عن مآل هذه الاموال ولو بشكل افتراضي يتخذ كارضية للبحث والتنقيب والسعي الى استرجاع الاموال المنهوبة، كما لم تجب عن السؤال المشروع: كيف استطاع المشتبه فيه أن يستنزف مبلغا مهما دون إثارة انتباه المراقبين ولا محاسبتهم، وكم من الوقت استغرق استنزافه للخزينة، وهل اختلاس هذا القدر المالي الفخم  ونقول ” اختلاس” وليست “سرقة “،على اعتبار ان  الاختلاس هو  الاستيلاء على المال العام من قبل من أوكل إليه أمر إدارته أو جبايته أو صيانته، أما السرقة فهي أخذ مال الغير منقول دون رضاه، كما أن أركان جريمة الاختلاس تتحدد في الفعل ماديا، ويعني الاستيلاء على مال منقول بقصد التملك ، وأن  يكون الفاعل في عداد العاملين في الدولة محل الجريمة وهو المال المنقول الموضوع تحت يد المختلس، وأن تكون نية  الجريمة وهي قصد تملك المال المختلس.

 قلنا هل اختلاس 3 مليار من خزينة جمارك مراكش تم من طرف الموظف بمفرده أو بإيعاز أو  تغطية من طرف أو أطراف أخرى، وهل أخذ المشتبه فيه كل هذه الاموال  معه او ترك جزءا منها في البلد، وهل كان هروبه قبل او بعد اكتشاف السرقة، وكيف غادر الوطن دون ان يدلي بوثيقة إدارية تسمح له بالسفر إلى الخارج ؟

أسئلة كثيرة تطرح نفسها في ظل شح المعلومة، وغياب ثقافة النقد الذاتي، والجهر ببعض النقائص او الاكراهات التي تعاني منها بعض الادرات العمومية، سواء على مستوى الموارد المالية، والتحفيزات، والمراقبة، وزجر المخالفين للقانون، و قد يجيب التحقيق على بعض منها، والبعض الآخر سيظل في طي الكتمان أو الغيب، مادام المشتبه فيه حرا طليقا لم تطله يد العدالة بعد، وما لم يدل بتصريحات تفيد التحقيق في البلوغ إلى الخيوط المتناسلة ، والظروف التي تمت فيها السرقة والهرب أيضا.

طبيعي أن موظف الدولة العادي، حين يهم بمغادرة الوطن، تتم مطالبته  بوثيقة إدارية تؤكد السماح له بمغادرة التراب الوطني، كما أن أمتعته وما يحمله من أموال تكون تحث المراقبة، وكثيرة هي الحالات التي تم ضبط فيها المسافرين وهم يحملون معهم أموالا تفوق المسموح به، فاتخذت الاجراءات القانونية في حقهم، ولكن في مثل هذه الحالة يصعب التكهن في أن يكون الهارب من المساءلة ، المخطط للعيش في بلد الغربة ، قد عزم على السفر والاقامة خارج ارض الوطن دون زاد ولا عتاد، بل غالبا ما يتم توديعه بالقبلات الحارة، والتحيات والابتسامة العريضة دون نية التواطئ ، أو العلم بما تخفيه الصدور.

إن ما قام به موظف الجمارك، ما هو إلا نموذج من ضمن مجموعة من النماذج التي وجدت التربة مناسبة لاختلاس المال العام، والتصرف فيه بأريحية، وعند اكتشاف امرها،  تحمل حقائبها وترحل لتعيش بعيدا ، وقد تسعى لتغيير الاسم والجنسية وكل ما يربطها بماضيها وتاريخها الملوث، ويبقى الخاسر الأكبر هو الاقتصاد الوطني للدولة