هزيمة اسبانيا يوم انتصارها !

المسائية الرياضية :

يوم تخسر اسبانيا رهانها الرياضي في البرازيل وتسحقها فرق لم يكن في حسبان أحد أنها تقدر على ذلك وهي بطلة العالم وصاحبة كأس الدور السابق وذات أقوى فرق كرة القدم في أوربا والعالم في نفس اليوم ينتقل الملك في اسبانيا بتنازل الملك الأب لخلفه وولي عهده مع أن القانون لم يكن ينص على هذه الإمكانية.

وبما أن القانون من صنع الإنسان والمؤسسات التي ينشئون لذلك فقد تم القيام بكل الإجراءات الضرورية لتحيينه في إطار ما تسمح به المؤسسات والمساطر التشريعية في البلاد حتى يمكن من تنازل الملك لفائدة ابنه. بهذا الفعل أخرج الملك في إسبانيا نهائيا من نطاق الدين وأنزل إلى الأرض ووضع كله ضمن صلاحيات الإنسان وحقوقه على نفسه تقرر فيه مؤسسات من خلقه وإنشائه. لهذا الفعل أهمية كبيرة بالنسبة للأسبان ولإسبانيا حيث أن الكنيسة الكاثوليكية كانت لازالت صاحبة أمر وكلمة عظيمين وتأثير كبير نسبياً في السياسة والمجتمع تتشبث بهم أشد ما يمكن. بهذا الفعل قضى الملك الجديد على رمزية الكنيسة والدين في المجتمع والسياسة في اسبانيا وحررهما مما تبقى من سلطتهما عليهم.

اعتبر بعض الإسبان أن في تنازل الملك أفول لنجم الملكية وفرصة للتخلي الكلي على النظام الملكي الذي يعتبرون أنه لا يوافق العصر وأنه من مظاهر التخلف ويكلف البلاد أموالا يحَسُن صرفها في أمور أخرى واعتبر آخرون أن اللحظة مواتية لإعادة تحديد سلطات الملك التي يعتقدون أنها باتت ضرورية بسبب التغيرات السياسية والمجتمعية والثقافية المحلية والعالمية بيد أن آخرين، وهم الكثرة الساحقة من الإسبان، يرون في النظام الملكي ضماناً لوحدة البلاد وحماية للتعدد الثقافي واللغوي بها وأنه رمز للخاصية الإسبانية ولمقومات هويتها وذاكرتها ومرجعياتها وبأنه امتياز حضاري أكثر مما هو حمل ثقيل على البلاد. المهم في هذا الحدث هو بالضبط حدوثه وإمكانية حصوله حيث عبر كل فريق على رأيه بحرية كاملة وبالوسائل المشروعة المتاحة مع ما يرافق مثل هذه الضر وف من تجاوزات وخروقات قد يجوز وصفها وتصنيفها بالرومانسية يتم التعامل معها بما يتطلب الأمر من احترام لحقوق الناس وحرياتهم وحزم في تطبيق القانون والسهر على الأمن والنظام العامين.

لم يبق هنالك في إسبانيا موضوع سياسي حرام مناقشته أو الحسم فيه بغير التبادل الحر للآراء والرجوع للمؤسسات والقانون وحكم الشعب بما في ذلك أسئلة الهوية واللغة والجهوية المتقدمة جداً والتي قد تصل أحيانا للمطالبة بالاستقلال التام. لم يكن الأمر كذالك دائماً إذ أن اسبانيا مرت بضروف سياسية عصيبة وعنيفة تصادمت فيها فرق متعادية تاريخيا ومتعارضة مصالحها الاقتصادية الآنية بقوة السلاح والنار والاختطاف وبكل ما يصطلح عليه الآن بالأعمال الإرهابية ربما لازال بعض الإسبان لم يفلحوا بعد في الخروج منها كليا لكن البلاد تعلمت من هذه الصروف الصعبة أنه بالديمقراطية وحدها يمكن تجاوز العقبات السياسية وضحد الإكراهات الثقافية لخلق البيئة الملائمة لمحاربة التطرف والفقر والجهل والتخلف ولفرض الذات والفوز باحترام الآخرين. ولولا أن الديمقراطية تجدرت في اسبانيا لكانت فجرتها الاتجاهات الانفصالية والأزمات الاقتصادية والمالية المتتالية التي ضربتها كما ضربت دولا آقوى منها صناعيا وتجاريا فقضي أمرها.

إن الذين يعرفون الملك الجديد لإسبانيا يأملون في أن يلعب بشخصيته مثقافته المتعددة و تمكنه من اللغة الكتلانية وقربه من ثقافتها ومن الشعب الذي اختار أن يتزوج منه دورا مهما ليس فقط في حل التناقضات التي تدفع بكاتالونيا للمطالبة بالاستقلال الذاتي والعزم على تنظيم استفتاء يؤكد ذالك في بحر أواخر السنة الجارية بل لتصالح الباسكيين وغيرهم من الفئات القلقة من وضع التهميش الذي فرض عليها وعلى ثقافاتها ولغاتها منذ وقت بعيد. إن أمل الإسبانيين في الملك الجديد أن يفتح عهدا جديداً ببلدهم يضمن فيه استمرار الدولة الإسبانية موحدة تتعايش فيها متساوية ومعترف بخاصياتها الثقافية واللغوية والجهوية شعوب ترى أن اختلافها بديهي وواقعي يوجب تصوراً آخر للدولة ولنظام الحكم فيها.

لست أدري إن كانت هذه الاختلافات تذوب في فريق كرة القدم الوطني الإسباني أم لا وما إذا كان كل الإسبان بمختلف انتماءاتهم الجهوية ولغاتهم المحلية وارتباطاتهم الدينية يتفاعلون بنفس الشعور كمواطنين مع هزيمة وانتصار هذا الفريق وإن كانوا قد فطنوا للدور الذي كانت كرة القدم سخرت له لتدجينهم وصدهم عن القضايا المؤرقة والأساسية ببلدهم وانحلوا من قبضتها عليهم أم لا، ما أعرفه هو أن الهزائم والانتصارات الكبرى والحقيقية للشعوب لا علاقة لها بنتائج مباريات رياضية ولو سميت بالعالمية أو القارية أو الوطنية ولكن بقدرة الشعوب على خلق الأمل في إمكانية العيش الكريم للكل وتمكين الكل من العيش وأسباب قراراته وسعادته بين يديه .

عبداللطيف زكي

الرباظ في 18-19 يونيو 2014

 

اضف رد