محمد اشويكة

المهرجانات السينمائية في المغرب تحت وطأة التزاحم والتداخل

المسائية الفنية 

محمد اشويكة

محمد اشويكة

محمد أشويكة

الرهان على الفن السابع في المغرب يعتبر غير كاف في ظل غياب إستراتيجية تتكامل فيها القطاعات والمؤسسات المعنية بتدبير الشأن الثقافي المغربي.

هل المغرب بلد المهرجانات السينمائية بالفعل؟ بالنظر إلى الكم الهائل منها والاختلاف الحاصل في موضوعاتها، وتوزعها على مدار السنة إلى حدّ التزاحم والتداخل، هذا السؤال يظل يطرح نفسه بإلحاح.

يحتضن المغرب كمّا مهما من التظاهرات السينمائية التي يصعب تصنيفها جملة تحت يافطة المهرجانات، ولكن بعضها ينضوي في سياق الملتقيات وما شابهها، فقد تجاوز عدد هذه الأنشطة ما يربو على الستين، إلا أنها لا تحظى بنفس الإشعاع والتأثير والمصداقية، سواء منها الدولي أو الوطني، القار أو العابر، المنتظم أو الذي يظهر ويختفي، المحترف أو الهاوي، الثقافي أو التجاري.

يصنف القرار المنظم للمهرجانات الصادر بتاريخ 19 سبتمبر 2012، والذي يحدد شروط ومعايير وطرق صرف دعم تنظيم المهرجانات السينمائية، هذه الفعاليات تصنيفا أبجديا يقسمها إلى ثلاث فئات كبرى “أ” – “ب” – “ج”، ويجعلها خاضعة للجنة تشرف على انتقاء ما يستحق الدعم منها محددة المبلغ “المناسب”، كما يضبط القرار أيضا آليات اشتغال اللجنة وطرق صرف الدعم.

ويحتضن المركز السينمائي المغربي كتابة اللجنة التي تتلقى الملفات، وتتأكد من استيفائها للشروط المنصوص عليها قانونيا، وتسهر على معاينة سيرها العادي واقعيا، وتزود اللجنة في بداية كل دورة أعضاءها بتقرير مفصل عن وضعية المهرجانات والتظاهرات.

ولا يكتفي المركز بالإشراف على تدبير السير العادي للمهرجانات السينمائية فحسب، بل ينظم أهمها كالمهرجان الوطني للفيلم، ومهرجان الفيلم القصير المتوسطي، ويمثله مديره في إدارة مهرجان مراكش الدولي للفيلم.

المهرجان الدولي للفيلم بمراكش

المهرجان الدولي للفيلم بمراكش

العديد من التظاهرات السينمائية تمر كالغيمة ولا تخلف إلا الخلاف والانقسام في بعض الأحيان

والأدهى من ذلك أنه يتحكم في تدبير جلها بشكل مباشر أو غير مباشر، فالإشراف لا يعني الحياد الكلي، وإنما بسط سلطة الدولة على المجال، كي لا يتمّ اختراقه من حيث المضامين والتوجهات.

ويتمّ هذا التحكم عن طريق تفاوت مبالغ الدعم والتمويل، أو ربما ولاء بعض المدراء، أو اقتراح من خلف الستار، أو العمل على تشجيع بعضها على حساب البعض الآخر، إذا لم يستطع التحكم في خطها وقيادتها، مما يجعل استقلاليتها أمرا غير مضمون.

وقد ساهم في تكريس هذه الوضعية هجنة تشكيلة اللجنة، فبعض من أعضائها عرف بانتماءاته الأيديولوجية الواضحة والتي أتت به إلى تقلد المهام بها، وبعض منهم لم نشاهده طيلة عقود في إحدى تلك التظاهرات، والبعض الآخر لم نعرف اهتماماته السينمائية إلا ادعاء، بينما ذوو المصداقية والثقة من أعضائها محاصرون في داخلها، ولا يمكن سماع أصواتهم وسط الجلبة.

كيف يمكن أن نتحدث عن مصداقية لجنة يقترحها شكليا المهنيون، ويختارها فعليا وزير الاتصال بعد أن يكتفي المركز السينمائي بدور الوساطة؟ أليس حريا بلجنة مستقلة ومحايدة أن يشكلها المهنيون، وتعكس البعد الثقافي للحركة “السينيفيلية” المرتبطة في عمقها بحركات حداثية ظاهرة الأصول والمبادئ؟

غياب الإستراتيجية

تندرج مهرجانات السينما في المغرب في إطار تنشيط الحركة الثقافية عامة ونشر الوعي السينمائي خاصة. إلا أن الرهان على الفن السابع وحده غير كاف، في ظل غياب إستراتيجية ثقافية شاملة تتكامل فيها القطاعات والمؤسسات المعنية بتدبير الشأن الثقافي المغربي، ولا سيما أن وزارة الثقافة، كما يبدو، لا تنخرط بشكل فعال في دعم الثقافة السينمائية ضمن سياق إستراتيجي واضح، ولا تفصل بين دعم إنتاج الأفلام ودعم ثقافة الصورة التي يشكل جهلها خطرا على الناس في الوقت الراهن.

السينما في المغرب لا يمكن أن تصبح حقلا سائبا يدخله الناس بعقلية تجارية محضة، خاصة بعد الاختراقات التي حصلت على مستوى الإنتاج والإخراج

تنشر في العديد من وسائل الإعلام المغربية والدولية ثقافة تساهم في التأثير على المخيال الجماعي بشكل ظاهر وجلي، تمويهي ومغالط، إذ تساهم المحتويات المرتبطة بالصورة في رفد العديد من الأفراد بشتى الأفكار المدسوسة في ثنايا الصور، وخاصة ما يتعلق منها بالأفكار والآراء الهدامة، والصور المغرضة ذات البعد التلقيني العقدي، ونشر طرائق الانحراف لدى عشاق الجرائم والقتل المرضي، وإنعاش هوس المتطفلين بما يسعفهم في تغذية ميولاتهم غير الطبيعية.

كل هذا يساهم في نشر اليأس والبؤس والتسطيح، وتكريس التبعية وقتل الحس النقدي وتنشئة النشء على قيم الهجنة، وخلط الواقع بالخيال.

لذلك لا بدّ من ضرورة التفكير -بعد التراكم الذي حصل على مستوى تنظيم الملتقيات السينمائية- في تطوير التجارب الجادة التي أخذت تترسخ في مفكرة التظاهرات السينمائية بالمغرب، كي تراعي شروط الفصل الموضوعي في ما بين أبعادها الثقافية والتربوية والتجارية والسياحية والسياسية والاقتصادية والترفيهية، وبالتالي، المساهمة في بلورة رؤية تخرجها من استنساخ غيرها، فقد أصبحنا نلاحظ نفس الوجوه ونفس الثيمات ونفس الأفلام.

وطفت على السطح فئة متطفلة لا تفقه في أوليات العمل السينمائي، ولكنها مستعدة للتصفيق وإبرام الصفقات (مهرجانات البزنس). نحن لسنا في حاجة إلى مهرجانات البروباغندا، وعلى المغرب أن يقطع نهائيا مع ثقافة المواسم الرخيصة التي أصبحت خلالها تظاهرات سينمائية كثيرة تعيد إنتاجها بمسحات معصرنة.

خلافات وانقسامات

يمكن الرهان على تظاهرات الهوامش (الراشيدية، إيموزار، زاگورة، آسا، بني ملال، الناظور، وجدة، الطنطان، گلميم..) التي تنتعش فيها العزلة، وتتنامى فيها مشاعر الإحساس بالغبن والإقصاء واللامساواة، فتنشأ فيها بؤر الاحتقان، وتتضاعف فيها مراتع الغلو والتطرف. ولا يمكن أن يضطلع بمثل هذه المهام، إلا ثلة من النقاد ورواد الأندية السينمائية والباحثين وعشاق السينما لأنهم الضامن الأهم للاستمرارية.

إن كل التظاهرات، مع استثناءات قليلة، تمر كالغيمة ولا تخلف إلا الخلاف والانقسام في بعض الأحيان، متناسية أن الهدف من هذه التظاهرات يكمن في إرساء ثقافة سينمائية ترفع اللبس عن ممارسة السينما كفن وتفكير.

تاريخ الحركة “السينيفيلة” داخل الأندية السينمائية في المغرب بات اليوم أشبه بنوستالجيا

كما يمتلك المشرفون عليها القوة الإقناعية التي تضغط إيجابيا على الجهات المعنية، بتسيير الشأن المحلي وإحراجها بغرض بناء قاعات للسينما والمحافظة على ما أغلق منها أو انهار، ودفعها إلى تحمل مسؤولياتها في خلق المرافق الثقافية والفنية داخل المدن، أو المناطق التي ترعى الشؤون العامة بها.

فلا يمكن أن تصبح السينما في المغرب حقلا سائبا يدخله الناس بعقلية تجارية محضة، خاصة بعد الاختراقات التي حصلت على مستوى الإنتاج والإخراج. نحن في حاجة إلى تظاهرات سينمائية حقيقية، لا سيما وأن تاريخ الحركة “السينيفيلة” داخل الأندية السينمائية بات شبه نوستالجيا، والجمعيات أو المؤسسات التي تشرف على إدارة المهرجانات هيئات مكلسة.

يظل الرئيس ومن معه على رأس هذه الجمعيات إلى أجل غير مسمى، ويدبر شؤون بعضها إداريون قد يكونون على صلة بدواليب الإدارة السينمائية، وقد يتحايل بعض مسيريها على اللجنة، دون مراعاة الشروط الأدبية والفنية للمساهمين في ندواتها ومدراء فقراتها، بدعوى ضعف الموازنات المالية.

وكثيرا ما يلاحظ عدم تطابق ما تتضمنه المشاريع مع الواقع، فضلا عن أن بعضها لا ينتج أية قيمة مضافة إلى ما سواه، ولا يحمل بعضها من صفة الدولية إلا الاسم. وهذا لا يعني أن مهرجانات أخرى جادة تستحق التنويه بجهودها، رغم حجم الدعم المرصود لها مقارنة مع غيرها، حيث يحصد مهرجان مراكش، مثلا، ما يناهز ثلثي الميزانية العامة (أحد عشر مليون درهم)، ويتقاسم الآخرون الباقي.

عن جريدة العرب  [نُشر في 10/03/2015، العدد: 9852، ص(16)]

اضف رد