مجلة الواحة

البطالة وذوو الاحتياجات الخاصة

المسائية الثقافية

مجلة الواحة
مجلة الواحة

((تقديم: اليوم الوطني للمعاق

 سنة كاملة تامة، مؤتمرات، اجتماعات، ندوات، لقاءات، ورشات، دورات.. وهلم جرا وسحبا لمفردات قاموسية باردة المضمون منزوعة الأثر.

وتؤخذ الصور تملؤها ابتسمات.. لا تدري أسبابها! ربما فرحا بالتصوير.. وربما سعادة بما تحقق من الكلمات والتوصيات.. وربما…
وتشتعل بها المواقع والصفحات الخاصة، تقول بصوت صارخ: أنا آخية الاجتماع.. أنا صاحب التنظير.. قطب الرحى والناشط الصادق. وكأن الأماني تحققت والتفعيل للتوصيات تم وصار واقعا سعد به الجميع.))

البطالة وذوو الاحتياجات الخاصة

من الذي يحب أن يكون عالة على الناس، ومن ذا الذي لا يود له بصمة بين الناس
أنحكم على صاحب الاعاقة بالبطالة؟! أم أننا بذلك نحاكمه على جزء من ابتلائه؟
فالنظر من زاوية واحدة لهذه الحقيقة، لا يُبلغ الصورة الحقة ولا حالة الحقيقة.
كيف يتق في نفسه ويحقق ذاته إن لم يحس ويشعر بأن له يدا تدفع مع الأيادي الأخر عجلة الحياة، أم كيف يبقى مع الاحسان إليه بالصدقات ومد الأيدي قلب ينبض دافئا بالحياة.
فهو صراع مرير بين المرء والأمل والواقع، وأعني كل ما تحويه كلمة “الواقع” من مفردات يتركب منها، وكل ما تحويه كلمة “الصراع” من صور يشتمل عليها.
إن البطالة نداء بمعنى الموت على معنى الحياة، وإنه لنداء لا ينبغي أن ينادى به على ذوي الاعاقات ولا يصح.
إن الواحد منا يولد ذكرا أو أنثى بلا اختيار منه، فالله سبحانه يجعل من البطن الواحدة خالصة في هبتها لحياة جديدة ذكورا أو إناثا أو أزواجا أو عقيما، إن الله تبارك اسمه وتقدست أسمائه وصفاته خلق فملك فدبر بعلم وحكمة.
فما خلق السموات والارض وما بينهما باطلا، ومن هذه العقيدة الراسخة أقول جازما وأجزم قائلا:
بأن البطالة أمر نسبي، وأن إناطتها على الانتاج المادي هو تبعية بلا بصيرة لمنهج المادة كميزان للحياة.
إن نصوص الاسلام من الوحيين دفعت هذا الاطلاق فقيدته وهذا العموم فخصصته، ولقد استجد الاسلام عددا من المفاهيم ورسم معالم شمولية ونظرات بصيرة في علاقة الدنيا بالآخرة، بل ذم النظرة الأحادية فجعل للدنيا ظاهرا – المنشغل به وحده مذموم -، وباطنا – هو حقيقتها وسر ايجادها – الذي ينبغي أن يضاف الى ذلك الظاهر، لينتظم الانسان مع روحه في عقد التوافق فلا يعيش في دنياه الانفصام والضنك.
{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)} وقال عز وجل {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}

رأيته على رصيف الطريق، تأملته، حالته.. يبيع السجائر، همست في أذنه.. استطلعت أحواله وأسباب مآله هذا. نظرته ممسكا بإحدى يديه عصا وحاملا بالأخرى إناء معدنيا تسمع فيه أصوات دريهمات المارة المحسنين. وآخر بثرت أحد أطرافه، فهذا صاعد للحافلات، وهذا عاكف في أماكن الازدحامات، والآخر هناك يبيع المخذرات…

لكنهم أجمعوا بعد سمع همسهم.. ومعاينة أسباب مآل حالهم:
على نكران الأهل لهم، من نكران نسب أو نكران اهتمام وعناية. يستوي في تبعته المحيط بأجمعه أسرة ومجتمعا ونظاما.

إن العالم لواسع بما يكفي لتسمع وترى أو حتى تعايش في أحايين ليست بالقليلة من حياتك عن أمور؛ لولا صدقها لما صدقتها، ولولا واقعيتها لحسبتها قصصا تروى من نسج خيال راوٍ وقصاص. لكنها واقع شاخص.. وحقيقة دامغة.

أمور وأحداث يندى لها الجبين بل يتقطع لها صاحب كل قلب فيه بقية حياة فكيف بمنتم ومنتسب للإسلام.
تذرف لها العيون دمعا مِلئه الخجل والقلوب دما ملئه الوجل من أن يكون مسرح فصول حكايتها واقعة في بلاد الاسلام.

صنف نكرهم الأهل نكران نسب فلا يعرف عن ذويهم شيئا وإلى من ينتسبون، سموا بأسماء جديدة ووضعت لهم أوراق لدماجهم بلا أسماء آباء ولا أمهات، فهذا تركوه في محطة نقل فلم يزل ينتظر وعدهم بالرجوع إليه حتى حل به من أخده لدار الرعاية، وآخر بجوار محطة بنزين وآخر في مستشفى وآخر.. تعددت الأسباب والغاية واحدة وهي نكرانهم نسبا.

وصنف له أهل؛ نعم. وله نسب معروف؛ نعم.
لكن أصيبوا بنكران الاهتمام والعناية فلا يأتونهم إلا في الاعياد إن أتوا طبعا.

وقد عايشت نماذج من الصنفين، فلم هذا الجحود ولم هذا النكران ولم هذا الاحساس بالعار، أليس هو ابنكم؟!
أتسائل بحرقة مالذي جناه وما ذنبه؟
لقد خرج إلى الدنيا والمجتمع حرب عليه، فكيف تريد منه أن يحس بالانتماء إليه، إنه يحس بالنكران والاحتقار والغربة.

إن هؤلاء الذين تشاهدهم يمتهنون ما يصيب الإباء والكرامة في مقتل مُحقَّق.
إنهم ضحية مجتمع مصاب بإعاقة فكرية حقة وتخلفٍ مُوثَّقٌ عليه ومُصدَّق.

إن حياة هؤلاء على قارعة الطرق وأبواب التهميش والازدراء لذنب -في رقاب الأهل والمجتمع وجمعياته أيضا والنظام- كبير، كل سيحاسب بين يدي الديان على الجليل والحقير والنقير والقطمير، فلتعد للسؤل جوابا فكلم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
إن مَثَل حالة هؤلاء مع البطالة كما قال القائل:
ألقاه في اليمِّ مكتوفا ثم قال له *** إياك إياك أن تبتل بالماء

إن هذه النظرة لأليمة وغائرة الحزن حقا وصدقا، وإن لها في صرح بناء الذات شقا وتمزيقا وفتقا، وإن شرخها للنفوس والعزة لا صلاح له ولا رتقا.

أين الحراك الاجتماعي من كل هذا؟

مجلة الواحة
ثقافية – فكرية – ترببوية